الإسلام كما أفهمه

الإسلام كما أفهمه

مقدمة

بسم الله الرّحمان الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سبدنا محمّد وعلى آله الطاهرين وصحابته الطيبين.

وبعد:

تأتي هذه الموضوعات في وقت تشتّدّ حاجة شباب الاُمّة اليها بسبب شيوع الفكرالمنحلّ الذي عمّق ثقافة التطؤف وحصر الإهتمام بقراءة فكر المذهب – أي مذهب من مذاهب الإسلام كان – بعيداً عن نقاط التلاقي عند تلك المذاهب وهي كثيرة .

فنأت هذه الإهتمامات عن فكر القرآن الكريم وعن التعايش مع تجربة الإسلام في قيادته للعقل المسلم.

وأضحى هذا المسلم المتطأف متأزّما حتّى على بعض أتباع مذهبه فضلا عن غيرهم من أتباع المذاهب الاُخرى.

أمّا موقفه من غير المسلمين فهم بنظره كفّار تجب محاربتهم وإستأصالهم إن لم يذعنوا للإسلام ويقبلوا دعوته.

وهكذا يطغى الإشتباه في الرؤية ليجد هذا المسلم أنّ الله خلق الجنّة له دون سواه  فهو من الفرقة الناجية ! وباقي خلق الله في النار وبئس المصير.

إنطلاقاً من أنّ الله ما خلق أرضا مدحية ولا سماءاً مبنية ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئة إلاّ لأجل الخمسة أهل الكساء محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين.

أو أنّه من أهل التوحيد الخالص على مذهب أهل السنّة والجماعة.

وكلّ من هؤلاء يحمل هذا الأمل الموهوم الذي أنتجه الجهل بالإسلام  وبقيمه الإنسانية العادلة.

عرضت في هذا الكتاب بعض وجهات نظري وهي في البدء حتّى الختام تصرخ بوجّه صنّاع المذاهب والناقمين على البشر أن لا مقدّس عندي غير القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو الذي يقودني للإيمان بالرسالة والرسول وبالعقل والإنسان.

وأعتقد أنّها بضاعة مزجاة اُقدّمها لأبنائي في هذا الوقت الذي عزّ عليهم أن يكون رجل دين مسلم عاش نفس معاناتهم أن يكون صريحاً واضحاً ، وآخر دعواي أن الحمد لله ربّ العالمين.

طالب السنجري

الكتاب الاول

الاسلام كما افهمه

من خصائص الاسلام

إسم الإسلام

الإسلام هو الإسم الجامع  لمعنى الإستسلام لله سبحانه، وإخلاص العبودية له، وهو يوحي بالسلام الذي هو مفتاح العلاقة بين المسلم وغيره.

وتحية المسلم للآخر مهما كان هي “السلام عليكم” وهي تنطلق صادقة من قلب خلقه الله سبحانه وعاءً للحبّ والسلام.

ولقد جاءت الآية الكريمة ﴿إنّ الدّين عند الله الإسلام﴾[1] لتؤكّد قيمة الخضوع لله تعالى دون سواه في اطار منهجه الذي أنزله على رسله الكرام عليهم السلام والذي يعتبر الاسلام آخر وجوه هذا المنهج.

ولقد وقف الإسلام بوجه الذين شوشوا هذاالإعتقاد ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم؟  فاءن أسلموا فقد اهتدوا﴾[2] .

فالاسلام يرفض أن تشوّش العقيدة الجامعة التي جاء بها أنبياء الله. وهم جميعا جاؤوا بنفس الرسالة، ولا يهمّه اختيار الفرد لأي دين من الاديان التي ارسلها.

فمن يتبنى دينا سماويا فهو مسلم بالمعنى العام للأسلام ﴿وما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما﴾[3].

ليس معنى ذلك إنكارا لليهودية أو النصرانية بل هو رفض للتخندق العنصري في دائرة الدّين.

عالمية الإسلام

لم يكن الإسلام دينا لجماعة بعينها،  أو اُمّة بعينها، بل هو للناس كافّة ﴿وما أرسلناك الاّ كافّة للناس بشيرا ونذيرا﴾[4].

نعم كانت إنطلاقة الإسلام الاُولى في الجزيرة العربية، وقام بتنظيم الحياة فيها، وجعل من أهلها امّة قائمة ذات حضارة، وبه أصبحت خير امّة اخرجت للناس، بيد أنّ مبادئه عالمية لا تقف عند قوم، ولا عند جيل، أو في حدود مرحلة زمنية معينة.

الاسلام صيحة خلاص منظّمة تجاوزت القوميات والجنسيات والألوان واللّغات، وأخذ الإنسان موضوعا له لينتشله من غياهب الجهل،  ويفكّ أسره،  وينهي إستعباده، ويربطه بربّه، من خلال ما قدّم له من أبعاد عقدية خالصة، وما توافر لديه من قواعد في نظامه السياسي والفكري والثقافي والأمني.

شمولية الإسلام

يغطي الإسلام ما يحتاجه الناس في حركة حياتهم، في حاضرهم ومستقبلهم، فلم يكن ليتحدّث عن قضية واقعة إلاّ وقفزت معان كلية تعالج قضايا في المستقبل.

وهذه المعاني الكلية تصلح لحلّ المشكل الذي يواجه إبن البادية كما تصلح لإبن الحاضرة سواء بسواء.

فالعبادات في الاسلام لا تخضع لتغيّر الأحوال فهي توقيفية، وما عداها فيمكن التعامل مع تلك القواعد العامة في الاسلام لاعطاء الموقف الذي يتناسب وطبيعة الحالة التي يعيشها الناس.

خلود الإسلام

تميّز الإسلام عن غيره من الدّيانات السماوية أنّ يد التحريف لم تمتدّ اليه ، فقد تكفّل الله حفظه فقال تعالى: ﴿إنّا أزلنا الذكر وإنّا له لحافظون﴾[5]. وكانت وراء هذا المنهج الرّبّاني اُمّة حفظته في صدورها،  وتعايشت معه في ضمائرها وعقولها،  وتعاملت به في حياتها،  وحكّمته في كلّ قضاياها. فلقد أذهل النصّ القرآنيّ اُمّة اللغة العربية فقامت معه، فهوالينبوع الذي تنهل منه الحكمة، والنهرالذي تغرف منه الأحكام.

وها قد مرّ على عمر هذا النصّ قرابة خمسة عشر قرناً من الزمن وهو حيّ ينبض بالحياة ، ونور يمشي به الناس في حالك الظلام.

خاتمية الإسلام

الإسلام هو خاتم الرسالات السّماوية، وقد تضمّن العقيدة الخالصة التي جاءت بها هذه الرسالات، وبعضا من أحكامها، وأنّ التدرّج الذي نشهده في حركة الديانات على إمتدادها الزمني فيما يخصّ الأحكام المتعلقة بأفعال المكلّفين إنّما روعي فيه محدودية تلك الرسالة على اُمّة معينة من الناس دون غيرها من الاُمم، فجاءت الأحكام الاسلامية أكثر مرانا وسعة وأقدر على العبور الى المستقبل بما تملك من قواعد عامّة قابلة للحياة ومستجيبة لما يريده الناس.

ومن هنا جاء قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾[6].

إنسجام الفطرة الانسانية مع الاسلام

شاء الله سبحانه أن تبدأ الخليقة بريئة تقودها الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله.

وبمصاف ما أودع الله في الانسان من فطر تقوده الى الخير فقد خلق معها المنهج وبعث النبيّين يوجهون هذه الفطر من أن لا تحيد عن مناهجه سبحانه.

فالمنهج الديني السماوي والفطرة السليمة ذواتا طبيعة واحدة، فإذا اُستعمل المنهج إستعمالا سيئا تنكّرت له الفطرة السليمة، وإذا تلوثت الفطرة بملوثات الجاهلية تنكّر لها المنهج.

وقوف الاسلام مع العلم

الشعار الاسلامي المرفوع دوما ﴿وقل ربّي زدني علما﴾[7] وهو الوجه الحقيقي للمسلم .

ودعاء المسلم المتواصل الى ربّه ليزيده علما بالدّين وبطرائق الدعوة اليه ويفتح عليه أبواب المعرفة الإنسانية يدفع به الى التعلّم وتلقّي العلم الذي يبني له الحياة.

فلا تقوم الدعوة الاّ بعلم  ولا يتمكن المسلم أن يحقّق نجاحا على كلّ صعيد إلاّ اذا كان عالما بحقائق الامور. فقد أطلق الإسلام العنان للعقل، وفتح له آفاقا واسعة، ولم يضيق عليه بفكرة، أو يحبسه في دائرة معلومات ضيقة، بل أمر الناس بالتأمل والتفكّر والتعقّل. فلا يعتزّ الإسلام بالمنتمين اليه وهم عميان لا يفقهون شيئا ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾[8].

صفات النبيّ (ص)

تميّزت شخصية نبي الإسلام محمّد (ص) بميزات فريدة جعلته محطّ أنظار قومه يومذاك.

فعلى المستوى الخَلْقي فقد تمتّع بجمال رائع، ولياقة بدنية فائقة، فوصفه واصفوه أنّه أبيض اللّون مشربا بحمرة، أدعج العينين (أي أنّهما سوداوان وواسعتان) سبط الشعر (أي منبسط مسترسل)،  كثيف اللحية ذا وفرة، دقيق المسربة (أي أنّ شعره ممتدّ بشكل خيط من لبّته الى سرّته)،  كأنّما عنقه إبريق فضّة، شثن الكفّين والقدمين إذا مشى كأنّما يتقلّع من صخر، وإذا أقبل كأنّما ينحدر من صبب، ليس بالقصير، ولا بالطويل، مدوّر الوجه، واسع الجبين، أزجّ الحواجب (أي أنّهما ممتدان بوفور الشعر فيهما)،  أقنى العرنين (أي أنّ في أنفه إحديدابا)، ضليع الفم (أي كبير)، أشنب مفلّج الأسنان (أي أنّ فمه رقيق متحدّر وله حدّة في أطراف الأسنان)، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المكبين، ضخم الكراديس (أي رؤوس العظام ضخمة)، ذريع المشية (أي أنّ خطواته واسعة من دون استعجال[9].

وأمّا خصاله الاخرى فهي كثيرة منها، أنّه ومنذ ولادته فقد احيط برعاية ربانية، اذ أوكل الله به أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره[10].

وبشّر الله سبحانه به في كتبه التي أنزلها على أنبيائه(ع) ﴿وأنّه لفي زبر الأولين﴾[11] ﴿الذين يتبعون النبيّ الاميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل﴾[12].

ولقد كان الكهّان والرهبان والأحبار والموحدون يبشّرون به قبل ولادته.

وكان يجاور  (حراء) وهو جبل بمكّة يتفكّر ويتأمّل ويتحنّث على اُصول الحنيفية الغرّاء.

وكان معروفا في قومه بالصّادق الأمين ، ممّا دعا خديجة بنت خويلد أن تعتمده في تجارتها ، كما كان موضع إحترام قومه رغم صغر سنّه فقد حكّموه في خلاف وقع بينهم هو أيّهم يضع الحجر الأسود مكانه فحكم لهم وقبلوا بحكمه.

وحتّى إذا بلغ الأربعين من عمره و بلغ صفاء قلبه أن يحتمل رسالة ربّه ، بعثه الله نبيّا للناس كافّة ﴿قل يأيها الناس إنّي رسول الله اليكم جميعا﴾[13].

وقرن الله تعالى طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ، ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فبها وله عذاب مهين﴾[14].

وتكفّل الله سبحانه الدّفاع عن نبيّه حين شعرت قريش أنّ الإسلام سيديل وجودهم القائم على قهر الناس وإستعبادهم فقالوا عن رسول الله أنّه كذّاب وأنّه مجنون وأنّه ضال لعلّ ذلك يبعد عنه الذين وقفوا معه، فردّ الله سبحانه ماقالوا ﴿ما أنت بنعمة ربّك بمجنون﴾[15] وقال تعالى ﴿ما ضلّ صاحبكم وما غوى﴾[16].

وأخصّ الله سبحانه أهل بيته الذين وقفوا معه  فأنزل بهم قرآنا ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا الاّ المودّة في القربى﴾[17].

فلسفة التنزيل

منذ نزول القرآن الكريم على نبيّنا محمّد(ص) وهو يقود العقل المسلم وآياته منهج لحركة الناس في الحياة، وقد تماسكت الامّة مع قرآنها فحفظته في صدورها،وتعايشت معه في إنتصاراتها وانكساراتها ،وفاءا له إذ أخرجها من الظلمات الى النور وجعل منها خير اُمّة اُخرجت للناس.

ولقد شعر العابثون والمعتاشون على ديانات السّماء أنّ هذا المنهج سينهي وجودهم، فنهضوا جميعا لحربه والوقوف ضدّ توهجّه.

وإبتدأ الصراع آخذا أشكالا متعددة وأساليب متنوعة، ووقفت الامّة بكلّها تردّ العاديات، حتّى ضرب الاسلام بجرانه الأرض، وأحكم المسلمون سيطرتهم ، وتنفّس المحرومون الصعداء، وزاول أهل الديانات ممارسة عباداتهم من دون عنت أو ضيق، ووجد الناس ضالّتهم فيه، إذ كانت أهدافه تتلخّص باخراج الناس من عبادة العباد الى عبادة الواحد الأحد، ومن ضيق الدنيا الى سعة الحياة، ومن أسر المناهج دينية كانت أم غير دينية الى رحابة المنهج الذي ساوى بين ديانات الله، كما ساوى بين الناس، فلا فضل لعربي ولا لأعجمي على آخر الاّ بالتقوى، وأنّ الناس سواسية كأسنان المشط، فضرب منطق الجاه والعشيرة والعرق واللون والجنسية عرض الحائط،

معلنا “كلّكم لآدم وأدم من تراب” وجعل التقوى مقياسا للتعامل مع الآخر، وثبّت الحوار ثقافة وفتح له القنوات على طريقة ﴿وإنّا أو ايّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾

ولقد إنحاز بعض من أهل الكتاب اليه إيمانا بما جاء به وأنّه لا يتقاطع مع ما يعتقدون، وكابر البعض منهم فزرعوا الأشواك في طريقه، وفتحوا عليه حروبا ظالمة ومنها الحروب الصليبية، وقد خرجت الامّة فيها مكلّلة بالنصر من عند الله.

وانّى للحاقدين عليه أن يتركوه وهم يرون تقدّمه، ودخول الناس فيه  زرافات ووحدانا، فأدرك الغرب أنّ سرّ التقدّم هذا يكمن في القرآن الكريم نفسه.

لنقرأ معا ما فاله الغربيون عن القرآن ونتعرّف على حقدهم عليه.

يقول المبشّر ‹تاكلي›: يجب أن نستخدم القرآن وهو أمضى سلاح في الاسلام ضدّ الاسلام نفسه حتّى نقضي عليه تماما،  يجب أن نبيّن للمسلمين أنّ الصحيح في القرآن ليس جديدا وأنّ الجديد فيه ليس صحيحا[18].

وقال رئيس وزراء بريطانيا ‹غلادستون›: ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين فلن تستطيع اوروبا السيطرة على الشرق[19].

وقال ‹تشرشل› رئيس وزراء بريطانيا: إنزعوا هذا الكتاب من حياة المسلمين أضمن لكم السيطرة عليهم.

وقالت ‹تاتشر› رئيسة وزراء بريطانيا: لقد قضينا على الشيوعية وبقي علينا أن نقضي على الإسلام.

وقال ‹لويس التاسع› ملك فرنسا عند هزيمته في الحماة الصليبية: إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقاتلوهم بالسلاح وحده فقد هزمتم أمامهم في معركة السلاح ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن القوّة فيهم.

وقال المبشّر ‹وليم جيفورد›: متى توارى القرآن ومدينة مكّة من بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرّج في طريق الحضارة الغربية بعيدا عن محمّد وكتابه.

وقال البروفيسور ‹ريتشارد كروسمان›: هدف هذه الحرب تحطيم أخلاق العدو وإرباك نظرته السياسية ودفن جميع معتقداته ومثله التي يؤمن بها والبدء باءعطائه الدروس الجديدة التي نود إعطائها له ليصار يعتقد بما نعتقد به نحن[20].

مع حملة القرآن الكريم

أشراف الامّة

الأحاديث الشريفة

* قال رسول الله (ص): يقال لصاحب القرآن إقرأ وإرقّ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها.

* وقال (ص(: إقرؤوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه.

* وقال (ص): مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترّجة طعمها طيّب وريحا طيّب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيّب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرّ ولا ريح لها.[21]

* وقال (ص): حملة القرآن هم المحفوفون برحمةالله، الملبوسون نور الله. يا حملة القرآن تحبّبوا الى الله بتوقير كتابه يزدكم حبّا ويحببكم الى خلقه![22]

*وقال(ص): أشراف امّتي حملة القرآن وأصحاب الليل.[23]

* وقال (ص): إنّ أحقّ الناس بالتخشّع في السّرّ والعلانية لحامل القرآن، وإنّ أحقّ الناس في السّرّ والعلانية بالصلاة والصيام لحامل القرآن.[24]

معنى القرآن الكريم

* القرآن الكريم ميثاق بين طرفين، بين الله سبحانه وبين المخاطبين به، المؤمنين به، الذين دخلوا الاسلام  فكان القرآن الكريم كتابهم.

* القرآن الكريم منهج لحياة المسلم يتكفل بناء عقله، وروحه، ووجدانه، وما يتصل بشؤون حياته كلّها.

* وأنّ أية اُمّة تعيش من دون منهج فهي اُمّة متخلّفة لا وزن لها بين اُمم الأرض.

* وأنّ أمّة تتوافر على منهج ولم تعيه، ولم تؤمن به، ولم تحرص على تطبيقّه، فمثلها كمثل الحمار يحمل أسفارا.

* وبقدر ما يكون القرآن الكريم منهج اُمّة الاسلام في علاقاتها السياسية والفكرية مع غيرها من الامم،  فهو كذلك منهج الفرد المسلم في علاقته بربّه ومجتمعه.

* فالقرآن مسؤولية الامّة المسلمة ومسؤولية الفرد المسلم، فإذا انحسر دور القرآن في قيادة الحياة، فلا ينحسر دوره في قيادة الأفكار، وتهذيب الروح والعقل.

* لقد بات على المسلم أن يقرأ هذا المنهج بتدبّر ووعي، فهو نوره الذي يمشي به في الناس، والنبع الذي من دون الأرتواء منه يظمأ المسلم وتذبل أغصان روحه وثقافته.

* وإذا كان القرآن الكريم المنهج الالهي للمسلم، فهو لغيره مشروع للبلاغة والفصاحة، والحكمة المتعالية، والمادّة التأريخية التي تستعرض حياة الأنبياء، وما مرّت به البشرية من هبوط وصعود.

* والقرآن الكريم هو كتاب هداية وبركة، وهو عدّة المتصوّف، وأذكار المتألّه، وحاجة الفقيه، ودليل المتحيّر، ولكنّه ليس محصورا بهما.

* ونفهم من خلال هذه الاطلالات ما جاء عن نبيّ الاسلام محمّد (ص) من أنّه يقال لصاحب القرآن إقرأ وارقَ، فلا يرقى من غير عمل، أو أن يأخذ معنى دون آخر.

فالذي يقرأ القرآن الكريم بتدبر ووعي وينزله الى ممارسة يتحرّك بها في الواقع، بما توحي ممارساته أنّها مستقاة من القرآن، بما يمثّل ذلك دعوة حيّة الى عظمة كتاب الله فمثله كالاترّجة طعمها طيّب وريحها طيّب .

والمؤمن الذي يهتدي بهدي القرآن، وممارساته ممارسات قرآنية، غير أنّه لا يقرأ القرآن  بمعنى أنّه لا يوحي سلوكه هذا أنّه من أهل الدراية  بكتاب الله ومن العاكفين عليه، فمثله كمثل التمرة طعمها طيّب ولا ريح لها.

وأمّا الذي يركن الى القرآن على أنّه كتاب بلاغة وفصاحة وما فيه من إشارات هامّة الى علوم شتّى، ولكنّه لا يهتدي بهداه، ولا يحكّمه في قضاياه،  فمثله كمثل الريحانة ريحها طيّب، وطعمها مرّ.

وأمّا الفاجر الذي حاد عن القرآن كمنهج في الحياة وهو محسوب على المسلمين، فمثله كمثل الحنظلة طعمها مرّ ، ولا ريح لها

فلسفة الدعاء

ينطلق الدعاء من حاجة العبد وطمعه، حاجته الى المطلق وهو الله وطمعه به لأنه الكبير المتعال، المالك المتصرف.

فالدعاء نبض الروح وهو مخّ العبادة، نبض الروح الايماني، وهو الحاكي عن جوهر العبادة، وليس له لغة محدّدة بل هو إعلان عن حاجة بأي كيفية كان هذا الاعلان، برعشة القلب المخلص، أو بتمتمة الشفاه، أو بمدّ أيدي الضراعة.

أتظن أنّ الله لا يسمعك؟ بلى هو السميع البصير: إذن أنت تدعوا ربّا يسمعك، فكن حاضرا بين يديه راغبا في إجابته.

ولذّة المناجات تكفي إذا لم يتحقّق المطلوب، لأنها النفح الذي يهبّ على القلب بعبق الرّضا، والبوح الذي يوحي بالوصال.ومن هنا نفهم كيف أنّ الله لا يعبأ بنا لولا دعاؤنا، ﴿قل لا يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم﴾[25] من أجل أن لا نقطع جسور التواصل بالمولى سبحانه.

ومن المؤكد أنّك اذا أردت الوصال فلا تضع على الطريق ما يعرقل المسير، بل اجعلها مسيرة واثقة على طريق لاحب، فلا إصرارعلى معصية، ولا إعلان فسوق، ولا عمل بما لا يرضي الله ﴿ربّ إجعلني مقيم الصلاة ومن ذرّيتي ربّنا وتقبل دعاء﴾[26].

والدعاء بحدّ ذاته ضرورة عبادية وحاجة بشرية يمارسه الانسان لا على أساس تحقيق المكاسب المنظورة، والمصالح المتوقعة، بل هو أداء، وربّنا هو الكريم الوهّاب، فإن أعطى فهو أهل للعطاء، وان منع فلمصلحة، وما على المؤمن إلاّ أن يدعو ربّه في سرّائه وضرّائه، في مواطن عزّه وذلّه، في فقره وغناه، في صحته ومرضه ﴿قل أرأيتم من ينجيكم في ظلمات البرّ والبحر تدعونه تضرّعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجّيكم منها ومن كلّ كرب ثمّ أنتم تشركون﴾[27].

من أدعية القرآن الكريم

﴿ربّنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾

﴿ربّنا عليك توكانا واليك أنبنا واليك المصير﴾

﴿ربّنا آمنّا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾

﴿ربّما أتمم لنا نورنا واغفر لنا، انّك على كلّ شيء قدير﴾

﴿ربّنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا، ربّنا انّك رؤوف رحيم﴾

﴿ربّنا تقبّل منّا انّك أنت السميع العليم﴾

﴿ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا، ربّنا انّك أنت العزيز الحكيم﴾

﴿ربّنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾

﴿ربّنا آتنا من لدّنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا﴾

﴿ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين، وإجعلنا للمتقين إماما﴾

﴿ربنا إصرف عنّا عذاب جهنّم، إنّ عذابها كان غراما، إنّها ساءت مستقرا ومقاما﴾

﴿ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار﴾

﴿ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حماته على الذين من قبلنا، ربّناولا تحمّلنا مالا طاقة لنا به، واُعف عنّا، وإغفر لنا، وإرحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾

﴿ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدّنك رحمة، إنّك أنت الوهّاب﴾

﴿ربّنا إنّنا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربّكم فآمنّا، ريّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة انّك لا تخلف الميعاد﴾

﴿ربّنا إغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾

﴿ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، أن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾

﴿ربّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذرّيتي ربّنا وتقبّل دعاء﴾

﴿ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذرّيتي انّي تبت اليك وانّي من المسلمين﴾

﴿ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي﴾

﴿ربّ إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾

﴿ربّ إغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلاّ تبارا﴾

﴿ربّ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين﴾

﴿ربّ أعوذ بك من همزات الشياطبن وأعوذ بك ربّ أن يحضرون﴾

﴿ربّ أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق وإجعل لي من لدّنك سلطانا نصيرا﴾

﴿ربّ أنزلني مُنزلا مباركا وأنت خير المنزلين﴾

من أدعية الرسول الأعظم

* لا اله الاّ الله العظيم الحليم، لا اله الاّ الله ربّ العرش العظيم، لا اله الاّ الله ربّ السماوات وربّ الأرض وربّ العرش العظيم.

* اللهم إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

* اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا واجعلهما الوارثين منّا، وإجعل ثارنا على من ظلمنا، واُنصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا.

* اللهم لك الحمد كلّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مباعد لما قرّبت، اللهم أبسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.

* اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا اُحصي ثناءا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

من أدعية الامام عليّ (ع)

* أسألك بحقّك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك، أن تجعل أوقاتي،  في الليل والنهار،  بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتّى تكون أعمالي وأورادي كلّها ورداً واحداً، وحالي في خدمتك سرمداً، ياسيدي! يامن عليه معوّلي! يامن اليه شكوت أحوالي! ياربّ ! ياربّ! قوّ على خدمتك جوارحي، واشدد على العزيمة جوانحي، وهب لي  الجدّ في خشيتك، والدوام في الاتصال بخدمتك، حتّى أسرح اليك في ميادين السابقين، واُسرع اليك في المبادرين، وأشتاق الى قربك في المشتاقين، وأدنو منك دنوّ المخلصين، وأخافك مخافة الموقنين، وأجتمع في جوارك مع المؤمنين.

من أدعية الامام الحسين (ع)

في يوم عرفة

* يامن أذاق أحباءه حلاوة المؤانسة، فقاموا بين يديه متملّقين! يامن ألبس أولياءه ملابس هيبته، فقاموا بين يديه مستغفرين! أنت الذاكر في الذاكرين، وأنت البادي بالاحسان قبل توجّه العابدين، وأنت الجواد بالعطاء قبل الطالبين، وأنت الوهّاب، ثمّ لما وهبت لنا من المستقرضين، الهي اطلبني برحمتك حتّى أصل اليك، وإجذبني بمنّك حتّى أقبل عليك، الهي إنّ رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك، كما أنّ خوفي لا يزليلني وإن أطعتك.

* أود أن أنوه الى أنّ الأدعية المهمّة في التراث الإسلامي هي الصحيفة السجّادية للامام زين العابدين عليّ بن الحسين (ع).

التوحيد الخالص في أدعية أهل البيت

أدعية أهل البيت عليهم السلام هي نبض الروح التي صنعها توحيد الله سبحانه، وقام على تهذيبها وتنميتها رسول الإسلام محمّد بن عبد الله(ص).

فأدعيتهم هي نتاج حاجتهم للمطلق الذي يوفّر لهم مناخ التعايش معه، والذوبان فيه.

وهي إشراقة روح تعلّقت بالله فأعطاها النور الذي تمشي به في الناس، ومنحها الحضور الدائم في دائرته، ما منعهم من التعرّض لغضبه سبحانه، فعصموا أنفسهم من الإقتراب على معصية، أو إقتراف خطيئة.

وتأتي أدعيتهم إمتدادا لأدعية أنبياء الله ورسله، ومن هنا فقد إحتلّت عند أهل المعرفة منزلة كبيرة، بما إختزنته من جذبات روحية عالية الصفاء.

فحين حجب الظالمون أهل البيت من ممارسة دورهم في قيادة الواقع السياسي، فإنّهم لم يتمكنوا أن يحجبوا نورهم من الإختراق الى قلوب العارفين. وما الطرق الصوفية إلاّ واحدة ممن بقي يطوف على تراث أهل البيت الروحي.

فالدعاء بشكل عام حاجة النفس المفتاقة الى الله “والمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أيّا كان، ولكنّهم فقط يتوجّهون اليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم مالا يطيقون كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه… وإلاّ فهي الطاعة المطلقة والتسليم… إنّه طمع الصغير في رحمة الكبير… ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرّف وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبرّ وودّ وتيسير”[28].

ولقد إتسعت قلوب أهل البيت لمفردات دعاء لها فرادة في أدب المتأله الواصل، بل ومن هو في بداية الطريق.

وأي دعاء يشم منه غير رائحة التوحيد الخالص لله عز وجل فإنّه مدخول عليهم انتحله المغرضون ونسبوه اليهم. ومن أمثلة هذه الادعية ما يسمّى بدعاء الندبة، ودعاء التوسّل.

وباستعراض مفردات تلك الادعية التي نسبت الى اهل البيت يتضح سبب رفضنا لها، فهي تشرك بالله عبر التوسل الى شخص النبي (ص) او الامام علي (ع) وتجعل مناجاتهما مساوية لمناجاة الله، في وقت ردد القرآن الكريم ﴿ومن يجعل مع الله اله آخر ﴾

ومن هذه الادعية:

“يامحمّد ياعليّ،  ياعليّ يامحمّد، إنصراني فإنّكما ناصراي،  وإكفياني فإنّكما كافياي، يامولانا يا صاحب الزمان، الغوث الغوث، أدركنا أدركنا، الساعة الساعة”.

وليس جزافا أن نعتبر هذه الأدعية مخالفة للقرآن الكريم الذي علّمنا التوحيد الخالص: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ وقوله ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾.

أجل إنّ الدعاء مخّ العبادة، ويحتاج الداعي الى حزمة أدعية تنتقل به الى ساحة توحيد خالص، والى مفردة تشيع في روحه جوّا من أدب العبودية.

ما يلي بعضا من ادعية التوحيد الخالص:

علّم الأمين جبرائيل عليه السلام نبيّنا محمّدا (ص) هذا الدعاء:

“يامن أظهر الجميل، وستر القبيح، يامن لم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر، ياعظيم العفو، ياحسن التجاوز، ياواسع المغفرة، ياباسط اليدين بالرحمة، ياصاحب كلّ شكوى، ياكريم الصفح، ياعظيم المنّ، يامبتدئا بالنعم قبل إستحقاقها، ياربّنا وياسيدنا ويامولانا وياغاية رغبتنا، أسألك يالله أن لا تشوّه خلقي بالنار”.

وعلّم رسول الله (ص) عليّا(ع) هذا الدعاء:

“يا عماد من لا عماد له، ويا ذخر من لا ذخر له، ويا سند من لا سند له، وياحرز من لا حرز له، ويا غياث من لا غياث له، يا كريم العفو، يا حسن البلاء ، يا عظيم الرجاء ، يا عزّ الضعفاء، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا محسن، يا مجمل ، يا منعم، يا مفضل، أنت الذي سجد لك سواد الليل، ونور النهار، وضوء القمر، وشعاع الشمس، ودوي الماء، وحفيف الشجر، يالله يالله يالله، أنت وحدك لا شريك لك.

وهذا مقطع من دعاء عليّ (ع) المعروف بدعاء كميل:

“أسألك بحقك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك، أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتّى تكون أعمالي وأورادي كلّها وردا واحدا، وحالي في خدمتك سرمدا، ياسيدي يامن عليه معوّلي، يامن اليه شكوت أحوالي، ياربّ ياربّ ياربّ، قوّ على خدمتك جوارحي، وأشدد على العزيمة جوانحي، وهب لي الجدّ في خشيتك، والدوام في الإتصال بخدمتك، حتّى أسرع اليك في ميادين السابقين، وأسرع اليك في المبادرين، وأشتاق الى قربك في المشتاقين، وأدنو منك دنو المخلصين، وأخافك مخافة الموقنين، وأجتمع في جوارك مع المؤمنين”.

هذه هي نماذج من أدعية لا تشم منها رائحة شرك ولا تتقاطع مع أدب القرآن الكريم في هذا الإتجاه.

هدف النبوات

لقد أرسل الله سبحانه أنبياء، وأنزل كتبا، وباشر الأنبياء(ع) مهامّهم، وكوّنوا امّة من الناس قامت معهم بمهمّة الدعوة الى توحيد الله تعالى وتثبيت ركائزه في الحياة.

وتناسقت حركة الأنبياء جميعا بوحدة المنهج، ووحدة الهدف، مع اختلاف طرائق العمل، إذ لكلّ نبيّ ظروفه الخاصّة التي لا تشابه ظروف نبيّ آخر، وذلك تابع لتغيّر الزمان والمكان، ولما يحتاجه الانسان وما لا يحتاجه، تبعا لتجدّد أحواله، وتبدلات حياته.

ولو إجتمع الأنبياء كلّهم في مكان واحد وفي زمن واحد لما رأيت إختلافا بينهم يذكر، ذلك أنّهم معصومون فلا هوى يقودوهم الى الفرقة، وليس لديهم دنيا عريضة يرتكنون اليها، ولا نظرتهم الى الاُمور قصيرة فتدفع بهم الى الإختلاف، ولا هم ممن يجنح لشهوة عابرة فتقودهم الى التناحر.

إنّ الذي يقودهم الى التوحّد هو المنهج الواحد، والهدف الواحد. ولقد ذكر الله سبحانه أهدافهم، عليهم السلام، في كتابه المجيد ﴿لفد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾[29]. فلقد عبّر سبحانه بالكتاب، بيد أنّه تعالى أرسل بيد كلّ نبيّ كتاب، فهي اذن كتب كثيرة، وليس هو كتاب واحد، ليقول لنا أنّ جوهر هذه الكتب جوهر واحد، وهدفها هدف واحد.

ولنا هنا بعد هذه المقدمة الذي أوضحنا فيها أنّ هدف الأنبياء الرئيس هو التوحيد الخالص لله سبحانه، والذي سينتج بالضرورة وحدة الكلمة بين الناس كلّ الناس، أن نذكر بعض أهداف النبوات عبر التأريخ.

الهدف الاجتماعي

فلقد جهد أنبياء الله على تهيئة ظروف بناء المجتمع الذي يعيشون، من خلال الكلمة الهادية، أو من خلال ممارسة حكم، أو ماتهيأ لبعضهم من ثروة.

ولقد مارسوا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أجل النهوض بمجتمعاتهم، وارساء العدالة والمحبة فيها، بالطريقة التي يرونها، ايمانا منهم أنّ المجتمع الصالح هو المجتمع المشبع بالمحبة والتآخي. وهو المجتمع الذي يقوم على عمود الرقابة الاجتماعية، والذي لا يرى فيه الفرد الاّ “نحن” المجتمع ، لا “أنا” الفرد. وبذلك يكون المجتمع هذا عصيّا على الفتن، مواجها للأعاصير مهما كانت عاتية.

وما الخيرية لأمّة الاسلام التي ذكرها الله في كتابه ﴿كنتم خير امّة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾[30] الاّ شاهدا على حيوية المجتمع، وكبير دوره في ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالطرق الحضارية والانسانية، وكان ذلك بإشراف رسول الله (ص) نفسه، فخلق امّة واعية استجابت له، ونهضت معه للبناء.

وعليه، اذا انتكست الامّة، تفتقد تلك الخيرية. والانتكاسة ليست الا حالة مرّت بها الامّة في وقت من الأوقات، وهي ليست ملازمة لها على طول الطريق.

الهدف الثقافي والفكري

لقد كان أنبياء الله أوّل من أرسى مباديء الثقافة في مجتمعاتهم، على اعتبار ان الثقافة هي مجموعة الرؤى والقراءات في الكون والحياة والانسان.

وإذا أردنا من الثقافة تزكية النفس الانسانية من الرذائل، وتنقيتها من الشوائب، بما يضاف اليها التعليم الذي يأخذ بيد المثقّف الى التماسك مع أعراف مجتمعه وقيمه ومثله العليا، نجد الله يقول: ﴿ويزّكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة﴾[31] . فأنبياء الله جميعهم هم في صدارة من قاموا بعمليتي التربية والتعليم.

وأمّا الثقافة بالمعنى المتعارف عليها اليوم فالدين لوحده وإن انطوى على هتافات الثقافة الإنسانية الحرّة فهو لا يمنح ثقافة معاصرة. (ليست موفقة ولا واضحة: هل تقصد ان فهم الدين المعاصر لا يوصل الى ما وصلت اليه الحضارة المعاصرة او لا يتواكب معها؟)

فالإسلام يبارك كلّ نتاج إنساني نافع وبنّاء، فالجدير بالمتدين أن يفتح عينه على ما في الحياة من رؤى جديدة، حتّى وإن تقاطعت مع (الفهم التقليدي للـ) الدّين في بعض الخصوصيات، فيثري تجربته بمّا شهدته الساحات الثقافية من نتاج خيّر ومفيد.

الهدف الأخلاقي

هدف رسالات الأنبياء هي بعث القيم الأخلاقية، فهي وجهها الوضّاء الذي يذيب جليد مكابرة النفس الشرّيرة (الامارة بالسوء ان لم تقوم وتربى على القيم السامية). ولقد كان الخطاب الربّاني لمحمّد (ص) شديد اللّهجة ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفظّوا من حولك﴾[32] بمعنى أنّ الجهد الذي بذلته يا محمّد وما ستبذله سيذهب إدراج الرّياح إذا كنت قد قدّمته بفظاظة الى الناس!!.

ولمن يسبر أغوار التشريعات السّماوية كلّها يرى أنّ سقوفها التشريعية قائمة على أعمدة أخلاقية، وعمادها الناس.

ومن هنا اختصر نبيّنا (ص) بعثته بقوله: إنّما بعثت لاُتمم مكارم الأخلاق.

الهدف العقيدي والسياسي

أن “أن لا اله الاّ الله” هي المنهج الذي يقوم عليه نظام الحياة في الإسلام فهو ليس مجرّد إيمان يعيشه المتدين في قلبه فحسب، بل لابدّ أن يكون  له حضور دائم في واقع الحياة،  فاذا كانت “لا اله الاّ الله” منهج حياة وتصوّرا يحكم الوجود كلّه،  فلابدّ من العمل لتهيئة ظروف حاكمية هذا المنهج، عبر الدعوة الى قبوله من خلال الحوار البنّاء، والوسائل الحضارية التي تختصرها الآية المباركة ﴿لا اكراه في الدّين﴾[33]. فإذا ذوت هذه الحاكمية من الواقع السياسي والاجتماعي، فليس بإستطاعة أحد أن يذويها من القلوب والضمائر.

لاإكراه في الدّين

وقوفا عند روح القرآن الكريم لقراءة الحديث المروى عن رسول الله(ص): من بدّل دينه إقتلوه.

الاسلام خاتم الاديان

الاسلام هو الديانة السماوية الخاتمة لديانات الله سبحانه وأن مافي الاسلام من تشريعات يمثل الطرح السماوي الاخير المتناغم مع فطرة الانسان المنظّم لحركته في ميادين حياته كلها، المتظمنة قواعد كلية يتسنى للعقل أن يلعب دوره في إستنباط الجزئيات منها والتي من شأنها الاستجابة لحاجاته في الحياة، هذا فيما عدا الجانب العبادي فإنّه توقيفي فلا اجتهاد فيه ولا إمعان نظر.

ومن هنا فالدين هو الطرف الواصل بالعلاقة بين الانسان وبين الله سبحانه في خطه العبادي التوقيفي وليس ذلك مقصورا على دين بعينه بل أبواب الاديان مشرعة للعابدين.

إذن مالفرق بين الاسلام وبين غيره من الاديان؟ أجل ليس هناك فرق يذكر اذ كلّها طرق موصلة الى الله تعالى مع إختلاف الاداءات والممارسات والطقوس.

ولكنّ الإسلام يختلف عن غيره من الديانات في جانبه التشريعي إذ هو عقيدة وشريعة ودين ودولة بيد أنّ الديانات الاُخرى لم تك كذلك.

والاسلام يريد للمسلم ولغير المسلم ماذكره الله في كتابه: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد الاّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾[34].

فالكلمة السواء هي التي تحكم علاقات المسلم بالاخر وهي التي تنطلق بتوحيد الله سبحانه ليحكم الواقع كله.

وهذا المعنى يشكّل العمود الفقري لثقافة المسلم حاكما كان المسلم أم محكوم.

وبذلك فالاسلام هو الحاضن لكلّ الأديان وهو الدائرة التي تتسع لمن يبني الحياة تحت أي لافتة.

يقول الله سبحانه في أهل الكتاب العادلين البانين صرح التوحيد من خلال ما اُنزل اليهم الذين يعملون على القواسم المشتركة فيما بينهم وبين غيرهم أنّ لهم أجرهم الذي يساوي أجر المسلم الذي يتحرك على هذا الطريق ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما اُنزل اليكم واُنزل اليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا اُولئك لهم أجرهم عند ربهم إنّ الله سريع الحساب﴾[35].

فالتعايش السلمي والوقوف على الكلمة السواء والتدين بأي دين من أديان السماء من دون إثارات أوغوغاء هو مطلب الاسلام كدين يقود الحياة.

فاذا قدّر لمسلم أن يبدل دينه في ظلّ هذه الرحابة هل يستحق القتل ؟!

الآثار المترتبة على تبديل العقيدة

لم يكن إختيار أي دين من الأديان قائما على القوة ذلك إذا زالت القوة زال الدين إنّما هو قائم على قناعات وجدانية وتأملات عقلية وهي لا تزول بالاكراه. نعم، قد يحجّم الإكراه حركة الدين في الواقع الاجتماعي والسياسي والتعليمي ولكنه يبقى حيا في النفوس ماثلا في الوجدان مستقرا في العقول.

وقد رأينا كيف إنحسر الاسلام في فترات زمنية وفي مواقع عديدة ولكنه بقي عقيدة تتحرك في الناس تبني لهم جسور التواصل مع الله سبحانه،

ورأيناه وقد أسس دولة كيف فرش الارض زهورا لأديان السماء لتعيش في كنف دولته بحرية تامّة لأنّه لايجد تقاطعا فيما بينه وبينها.

ومن هنا نفهم ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾[36] ذلك الدين الذي يمثل خلاصة الاديان وروحها.

ولو تغيرت القناعات في إطار العقيدة وإختار المسلم منهجا عقائديا آخر فلا خوف عليه وهو حرّ في اختياره على طريقة ﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾[37] . فاذا كان هؤلاء في أمن وأمان يوم القيامة فهل يعيشون الخوف في الحياة الدنيا؟! والاسلام كدين يتعامل مع البشرية من دون استثناء في المدى الانساني الذي يتطامن الناس في ظلّه، ويعيشون أحرارا كراما كما أراد الله ذلك لهم، وليس فيه ما يدعوا الى تهديد إنسانية الانسان.

وفي المدى العقيدي، للاسلام، كغيره من الديانات الاُخرى، له أدبياته في هذا الاتجاه وهي لاتتقاطع بحال مع غيره، فالمرء وما اختار من عقيدة، له الحرية المطلقة، ولا يرتّب الاسلام أثرا على تبدّل القناعات، أمّا المدى الذي يرتّب الإسلام عليه الآثار فهو المدى التشريعي ذلك إذا أصبحت له دولة فهو يصبح مسؤولا عن أمن المجتمع واقتصاده وسلمه وحربه فلا يسمح لأحد تحت لافتة الدين أن يهدّد أمن الاُمّة وإقتصادها.

حرية إختيار العقيدة

انّ الاسلام كنظام للحياة لا يسعه الاّ أن يترك باب اختيار العقيدة مفتوحا وبذلك تتجلى قوته في التعامل مع غريزة الحرية التي فطر الله الناس عليها ولا تبديل لخلق الله.

وأديان السماء برمّتها تأخذ الانسان موضوعا لها ولن تتحقق سيادة لهذا الانسان على الارض الذي جعله الله خليفته عليها الاّ  باعطائه الحرية في اختياراته.

ومن هنا جاءت النصوص القرآنية تثبت هذه المعاني بكل جلاء ووضوح كما في قوله تعالى: ﴿انّا هديناه السبيل إمّا شاكرا وإمّا كفورا﴾[38].

وقوله تعالى: ﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾[39].

وقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾[40].

ولقد جهد الاسلام في إعطاء الصورة المثلى للإيمان من خلاله في إطار كونه واحدا من روافد الايمان ﴿ملّة أبيكم ابراهيم﴾[41].

وعاش الناس على مختلف عقائدهم وتعدّد مشاربهم في ظلّ الاسلام متطامنين آمنين على نفوسهم وأموالهم وأعراضهم.

ولم يذكر أنّ الناس قد دخلوا في الإسلام مجبرين ومكرهين بل سجّل التأريخ أنّ اليهود والنصارى وعموم أهل الكتاب وغيرهم عاشوا في فسحة من الحرية وفضاءا لم يحلموا فيه .

ولقد كان القرآن الكريم يتابع التوجيه لقائد التجربة الفريدة محمد بن عبد الله (ص) لئلاّ تبدر منه كلمة فيها رائحة إكراه للايمان بما يؤمن كما في قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربُّك لآمن من في الارض كلّهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾[42]

وقال تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين﴾[43]. فالله سبحانه يروّض نبيّه ومن معه من المؤمنين ألاّ يهلكوا أنفسهم لمجرد أنهم قلّة في دائرة التوحيد على الطريقة الاسلامية ذلك أنّ حبال العقيدة تمتدّ وتمتدّ مع قدرة مايقدّمه الاسلام من قناعة في هذا الاتجاه. ولا زال الانسان مجبولا على الارتباط بالمطلق اذن هو دوما يتطلع الى النور.

وفي العقيدة الاسلامية ما يدفع الانسان الى التعايش مع النور وليس على الذين يغشاهم النور إلاّ العمل والدلالة على مواقعه: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ والله بصير بالعباد﴾[44].

صيحة خلاص

يقوم الاسلام على الوضوح فلا غموض فيه ويقوم على الدليل وشعاره دوما ﴿قل هاتوا برهانكم﴾[45].

ولقد بدأ مسيرته بإقرأ ولكن بإسم الله لا بإسم الشيطان وأدرك أنه سيكون واقعا يتحرك على الارض بما يملك من فرادة في منهجه على مستوى العقيدة والشريعة سواء.

ولقد بلّغ نبي الاسلام محمد(ص) هذا المنهج بأداء رائع فوجد المحرومون أن خلاصهم من القيود دينية كانت أم دنيوية في هذا المنهج الجديد فهبّوا اليه وإنتشروا في ساحته  وآمنوا به.

ولقد أزعج دخول الناس في الدين أفواجا بعضا من رجالات المؤسسة الدينية من أهل الكتاب فأعلنوا دخولهم في الإسلام كيداً به في وجه النهار أي أوله ولكنّهم يخرجون منه في آخره ليقولوا أن هذا الدين لايساوي شيئا والبقاء معه خسارة في إطار لعبة نفسية وحرب خفية كانت قد إستقطبت أمثالهم ولكنّ الثلّة الماجدة حاصرت هذه الظاهرة المكشوفة لديهم.

وقد سجّل القرآن هذه الظاهرة بقوله: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين أمنوا وجه النهار وأكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾[46].

بيد أنّ هؤلاء تركوا على حالهم مع ماكانوا يثيرون في وجه الرسالة من تشكيك.

وجهد النبيّ (ص) في خلق اُمّة من الناس تجاوزت بإيمانها كلّ التشكيكات وتفوقت بإرادتها الحرّة كلّ الحروب المفتوحة عليها لأنها آمنت أنّ الدين لواقع.

وكان لابدّ لهذه الامة أن تنجح في التجربة وهي أول تجربة لحاكمية الدين الخاتم الذي لو نجح لبرز الوجه التوحيدي لحركة النبوات عبر التأريخ ناصعا ويخسر اُولئك الذين ألفوا العيش في الظلام.

فأسّس الإسلام لعملية الحوار على قاعدة ﴿وانّا أو ايّاكم لعلى هدى أوضلال مبين﴾[47]. ماجعل المهلهلين علميا وإنسانيا أن ينكفؤوا  ولحق به الممتلؤون علميا وانسانيا من أتباع الديانات الالهية وتهافتت أمام هذا المنطق الحواري كلّ مقولات القائلين بأن الاسلام قد انتشر بالسيف.

لقد استعمل الاسلام السيف لحماية العفل من التخريف والعلم من التدليس والحرية من القيود والارادة من الانهيار ليحقق للمظلومين النصر والمحرومين الانجاز في ظلّ السقف الانساني الذي حرموا منه.

فتنة الارتداد

يتوقع أن تحدث ظاهرة الإرتداد عن الدين لمجرد شبهة أو تغير قناعة أو ماشابه وليس هناك من وسيلة عند القائمين على الأمر الاسلامي الاّ إعطاء علاجات وبدائل وإعمال حوارات من شأنها أن تضع قطار المرتدين على سكّة الدين.

فلا سلطة لأحد على أحد ولا ولاية،  وليس صحيحا أن يفرض الدين فرضا ، وأن عمل الرسول(ص) ودعوته الناس لهذا الدين كان قائما على هدايتهم بالحكمة والموعظة الحسنة والقرآن الكريم من وراءه يخاطبه ﴿لست عليهم بمسيطر﴾[48].

فالاسلام كأي طرح من الطروحات يراد له أن يطبق مناهجه عبر الاساليب التي تنفتح لها القلوب وتستريح لها النفوس،  وأنّ صدق الداعي وملائمة المنهج وطبيعة الواقع الذي يعيشه الناس هما الضمانة لنجاحه .

ومن هنا قال الله سبحانه لنبيه: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضّا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾[49].

بمعنى أن لا طائل من وراء المنهج وان كان ربّانيا اذا كان القائم عليه قاسيا.

فالمسألة إذن تتعلق بالطريقة والاسلوب والأداء مع مراعاة الثوابت في المنهج.

فمن ثوابت المنهج الاسلامي حرية الاختيار وإحترام رأي ما أجمعت الاُمّة على إختياره .

فإذا اختارت الاُمة الاسلام نظاما يقود حركتها في كلّ شؤونها فينبغي إحترام هذا الإختيار وإن اختيارت غيره نظاما فيبقى دينا يقود العقل والمشاعر.

واذا كان الامر كذلك فأين نضع الحديث الشريف : من إرتدّ عن دينه فاقتلوه؟.

لقد كشف لنا التأريخ الاسلامي في بداياته أنّ كثيرا من أهل الكتاب بقوا على دينهم وأن من المسلمين من إرتدّ عن دينه وسارت الحياة على نسق واحد من دون مضايقات ولا مشّادّات وأن الذي حدث أن الاسلام لمّا أقام دولته في المدينة أراد تحصين الجماعة المسلمة الفتية من عوامل الاختراق والتصدّع فانه منع من بقاء الزوجة إذا إرتدّ زوجها أو الزوج اذا إرتدت زوجته من دون أن يقتل هذا أو تقتل تلك.

وأفهم الحديث الوارد بشأن قتل المرتد هو اذا ما شكّل المرتد فتنة في المجتمع فانه يقتل لفتنته لا لارتداده، ذلك أن الفتنة تعني مصادرة الحريات وتقود الواقع الى بلاءات.

حروب الردّة

حدثت حروب الردّة زمن الصدّيق أبي بكر إذ ارتدّت بعض القبائل عن الاسلام فأثاروا الفتنة وهددوا الأمن العام .

ولم يكتف المرتدون عن الاسلام عن العقيدة فحسب بل هددوا الدولة بضرب عمودين مهمّين هما الأمن والإقتصاد.

ففي المجال الإقتصادي إمتنع بعض المسلمين عن دفع زكواتهم الى الخليفة ورأوا أن يدفعوها الى غير جهاز الدولة وهذا من شأنه يقلل من هيبة الدولة ويضعف قدرتها في التعامل مع الواقع كلّه.

وفي المجال الأمني فقد أعلن عن إدّعاء البعض النبوة مثل سجاح وطليحة ومسيلمة مما أحدث ذلك إرباكا وفتنة وأخذت بعض القبائل ترتدّ عن الاسلام  وبدأت منافذ الحرب تتسع ضدّ من بقي في الدائرة الاسلامية وضدّ الدولة.

فجهّز الخليفة أبو بكر الصدّيق جيشا بقيادة خالد بن الوليد الى الذين إمتنعوا عن دفع الزكاة من أجل إرجاعهم الى ماكانوا عليه زمن النبي (ص) فأصرّوا على موقفهم ودارت بين الطرفين مشّادّات راح ضحيتها الصحابي الجليل مالك بن نويرة ، ولم تكن الدولة في قتال هؤلاء وهي في مرحلة حسّاسة راغبة في فتح حرب تضعف من قدرتها ولكنها كانت مجبرة على خوضها تثبيتا لعامودها الاقتصادي.

وكذلك خاضت حربا مع أصحاب الفتنة من المرتدين من أجل أن لاتقبر التجربة في مهدها ويتعرض أصحابها للإبادة فقامت الدولة بتجهيز جيش للدفاع عن حريم الدولة وإستتباب الأمن وقمع الفتنة.

ولقد إحتفظ التأريخ بمجموعة أخطاء إرتكبها مقاتلوا الدولة اقدّر أنها طبيعية ذلك أن الكيان العام هو أكبر من الأفراد وان كانوا من عالية القوم، وفي ذلك أن مالك بن نويرة دفع ضريبة الكيان وأن الدولة أدّت المهمة من موقع الدفاع عن الكيان.

وتشير حروب الردّة الى حرص الامة على دينها ووعيها بضرورة الحفاظ على كيانها في ظل حكومة ترعى مصالحها في توفير الأمن ولقمة العيش الكريم.

المسلم الحق

البعد العبودي

للشخصية الاسلامية ملامح واضحة يكشف عنها انتماؤها للدين وحرصها في التعايش معه والتعامل مع الواقع بآليات مدروسة.

فالاسلام دين الحياة وله نظراته وتفسيراته للكون والحياة والانسان التي ينفرد بها من كونه نظاما قابلا للتطبيق في كلّ مكان وفي كلّ زمان وأنّه ربّاني.

والمسلم ازاء هذه المعلومة عن دينه يتوسّل الأسباب المشروعة والآليات المتاحة لتقديم دينه منهجا يقود الحياة.

وليس سوى شخصيته الناجحة من يملك المفاتيح للدخول الى قلوب الناس، ونتلمس ذلك في قول الله تعالى لنبيّه (ص): فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك.

بمعنى أنّ الجهد الذي تبذله من أجل الاسلام يذهب ادراج الرياح اذا لم تتوافر على أخلاق تتعامل بها في الناس.

فالاخلاق هي الحاضن لكلّ مقوّمات الشخصية المسلمة

والبعد العبودي: وأعني به المقام الجاذب الذي ولّده التوجّه الصادق والارتباط العميق والحضور الدائم في حضرة المولى جلّ جلاله، وهذا المقام هو أعلى المقامات وبه تشرّفت حركة النبوات، وقد وصف الله سبحانه محمّدا بأنه عبده بقوله ﴿تبارك الذي نزّل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾[50] قبل أن يصفه بوصف آخر.

ومنشأ التأكيد على هذه الصفة لتحصين المسلم من الانبهار بغير الله عزّ وجلّ، وتخليصه من ازدواجبة الفكر، والقلق النفسي، والثبات على المبدأ.

ولقد جاهد المتألهون حتّى حصلوا على جذوة من نور ورشحة من هذا المقام.

وأول خطوة على طريق المجاهدة هي أن يصلح المرء فيما بينه وبين ربّه، فاءن خطاها بوثوق أصلح الله بينه وبين الناس، وبذلك تترقّق له القلوب، وتقبل اليه النفوس، وتتنزّل عليه السكينة، وتفتح له أبواب السماء ان اغلقت أبواب الأرض.

ثمّ يتلوها الحلم وهو صفة بارزة للشخصية المسلمة وبه وصف الله سبحانه نبيّه ابراهيم (ع) بقوله: ﴿انّ ابراهيم لحليم أوّاه منيب﴾[51] وكذلك العقل أو التعقّل كما في قوله تعالى : ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها الاّ العالمون﴾[52] بأسرار الكتاب المنزل على محمّد(ص) وكذلك الحبّ فبدونه تتغير المعادلة بين العبد وربّه كما في قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه﴾[53] ويترشّح من حبّ الله حبّ مخلوقاته، وكذلك الذكرفاءنّ بذكر الله تطمئن القلوب ومنشأ اطمئنانها أنّها مرتبطة شعوريا بالمطلق يقول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب﴾[54]، وكذلك الصبروهو عملية تمرّد يقودها المسلم ضدّ المغريات والأهواء والنزوات ، في السرّاء والضرّاء ، في حال فقره وغناه، وصبر غلى الاستقامة كما أمر الله سبحانه

هذه بعض الملامح المهمة في تكوين المعاني العبودية عند المسلم.

المظهر الخارجي

لقد ورد عن النبي الأكرم محمّد (ص) أنّه قال: “النظافة من الايمان”[55]، بما تشتمل عليه النظافة ماديا ومعنويا، ظاهريا وباطنيا.

فبقدر ما اعتنى الاسلام بالعقل والاسرار والضمائر بوضع اسس لبنائها فاءنه اعتنى بالمظهر الخارجي كملمح للنجاح.

وركّزالاسلام في حركة المسلم قدوة يقتديها واسوة يتأسى بها فقال ﴿لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة﴾[56]، فهو القدوة والاسوة لكل متذوق في الحياة.

فكان (ص) يعتني بمظهره اعتناءا بالغا فيلبس ما ينسجم مع بشرته وقامته، فكان له قباء سندسي فيلبسه فتحسن خضرته على بياض لونه، وكان له كساء أسود فوهبه فقالت له امّ سلمة: بأبي أنت وامّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: ( كسوته) فقالت: “ما رأيت شيئا قطّ كان أحسن من بياضك على سواده”[57]، كما كان يلبس الملابس البيضاء ويقول “ألبسوها أحياكم وأمواتكم”[58].

وكان له شملة يأتزر بها ويلبس النمرة يأتزر بها فيحسن عليه النمرة لسوادها على بياض ما يبدو من ساقيه وقدميه[59].

وكان يخصّ ببعض ملابسه ما يتلائم وطبيعة المناسبة التي يحضرها، فلقد كان له ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة[60].

وكان (ص) قبل أن يخرج من بيته يمشّط شعر رأسه وشعر لحيته[61] وكان يدهن رأسه ولحيته بالبنفسج ويقول أفضل الأدهان[62].

وكان ينفق في الطيب أكثر ممّا ينفق في الطعام[63] و كانت له ممسكة اذا هو توضأ أخذ بيده وهي رطبة فكان اذا خرج عرفوا أنّه رسول الله برائحته[64]، وكان اذا كان يوم الجمعة ولم يكن عنده طيب دعا ببعض خمر نساءه فبلّها في الماء ثمّ وضعها على وجهه[65].

وكان يستاك قبل نومه وبعد قيامه من نومه وعند خروجه الى كلّ صلاة[66].

وكان (ص) لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكرّاث[67] فهو لا يحرّم أكلهما ولكّنه يكره رائحتهما.

وهكذا كان رسول الله قمّة في الذوق الانساني يأتسر القلوب باختياراته كلّها .

فما يمنع المسلم اليوم من أن يساير العصر في اختياراته على مستوى الملبس وتصفيف الشعر وتنوّع العطور وما شابه.

فليس من الصحيح أن يحرن المسلم على طريقة واحدة لا زال كلّ ذلك يقع في دائرة الحلال أو المباح ﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾[68].

الاستقامة في السلوك

لكلّ دين سماوي بل لكلّ طرح ارضي برنامج ينطلق من وحي ما تنطوي عليه هذه الأديان والطروحات، وجميعها تعنى بتنظيم سلوكيات الانسان، غير تلك التي تعتبر الأخلاق قيما برجوازية فتدعوا للتحلّل والانفلات.

والاسلام هو أحد هذه المكونات الذي يضع المسلم على الجادة المستقيمة في كلّ ما يتصل بمخزونه العقيدي أو الفكري أو العاطفي أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك ممّا يدخل في بناء شخصيته.

بيد أنّه يدع المجال مفتوحا للمسلم في تشكيل شخصيته وفقا لما يعيش من أعراف شريطة أن لا تتعارض مع مباديء دينه. ومن هنا لا ينظر للمسلم المستقيم في غير البعد العقدي لأنّه في القلب هو من التزم سلوكيات السلف في تقليد لباسهم او أي مظهر لهم لا يتماشى مع القيم المعاشة والأعراف المعاصرة.

ولقد أمر الله سبحانه نبيّه بقوله ﴿واستقم كما امرت﴾[69] بعد أن عهد اليه أمر العقيدة والدعوة اليها من خلال الحوار الهاديء والأساليب البنّاءة والسلوك السوي.

وهذه مسؤولية شاقّة والامّة يومها امّة شرك وتحتاج الى جهد مضاعف في تهيئتهم لقبول العقيدة ، علما أنّه (ص) كان بينهم يسمّى الصادق الأمين.

فبما في العقيدة الاسلامية من قوّة، وما عند رسول الله من أداء ومصداقية شقّ الاسلام طريقه رغم كلّ المعوّقات.

فلم يكن الزيّ الاسلامي يوما هو الفاتح بقدر ما تكون سلوكيات المسلم واداءاته الطيبة هي الجاذبة.

فالدين المعاملة كما ورد عن النبي الأعظم (ص) والمعاملة المستقيمة هي التي جعلت شعوبا تدخل الاسلام.

ولقد قال الله سبحانه مخاطبا نبيّه ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك﴾[70].

فسرّ نجاح محمّد (ص) يكمن في استقامة سلوكه، وحسن أداءه ،وعظيم هديه، وجميل سمته.

فسلوكه (ص) في بيته لا يختلف عن سلوكه خارجه والذين وقفوا بوجهه لأنّه فاجأهم بعقيدة غير عقيدتهم.

ولم يختلف معه أحد في ما يتصل بسلوك أو معاملة غير مستقيمة.

فالشخصية الاسلامية هي المنضبطة سلوكيا في الخلاء أو في العلن، في البيت أو في المسجد، في الدائرة أو في الشارع، اذ تشعر أنّها دوما في محضر الله وأنّها المسؤولة عن القيم التي بعث بها المصطفى (ص) بجعلها تتحرك في أرض الواقع.

الطبع الاجتماعي النبيل

في اطار المقولة “الانسان اجتماعي بالطبع” فهو تحيط به مجموعة علاقات اجتماعية واسرية ومنظومة علاقات فردية حميمة وغير حميمة، كلّ هذه تجعل الانسان يجهد نفسه في وضع قانون يقوده الى تحمّل أعباء المسؤولية الاجتماعية، اذ لا يتسنى له أن يعيش وحيدا في هذه الدنيا أو يصنع لنفسه نظاما خاصّا به، بعيدا عن الحالة الاجتماعية، فالانسان اجتماعي بطبعه، ومن الانس بالآخرين اشتقّت كلمة الانسان كما يقولون.

ويدخل الاسلام كنظام اجتماعي فإنّه يخضع المسلمين، كلاّ حسب مقدوره وسعة تحمّله، لنظام متناسق يقود الحياة الى وئام فتنشأ في المجتمع المحبة ويسود الوئام.

فلا مناص للمسلم من التخلّي عن هذه المسؤولية ﴿يا أيها الناس انّا خلقناكم  شعوبا وقبائل لتعارفوا انّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾[71].

فالمجتمع الانساني الواسع الطويل الممتدّ يخضع لنظريات أرضية بعضها عادل وبعضها الآخر جائر، ومسؤولية المسلم- ازاء هذه الظواهر- تقديم حلّ عادل لخلاص الانسان من ظلّ الجور والكتاتورية الى رحابة العدل والعيش الكريم.

ولا تقوم النظرية لمجرّد أنّها عادلة وصحيحة اذا لم تكن هناك خطوة عملية على أرض الواقع وتأسيس لبنة صالحة ليقوم عليها البناء الكبير.

فقد لحظنا أنّ أّوّل عمل قام به رسول الله (ص) حين وصل الى المدينة المنورة وهو يروم اقامة حكومة العدل الالهي، لم تكن شعاراته ملصقة على الجدران فحسب، بل وجدناه يتحرّك عملّيا لتتحرّك النظرية  في حيّز التطبيق، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وهاتان الطبقتان هما في طليعة البناء الاجتماعي لاقامة حكومة العدل، وقد تناسى الناس في ظلّ هذا الاخاء جراحهم القديمة ليبدأؤوا حياة جديدة في اخوة على أساس الله الواحد الأحد.

ولم تكن هذه الاخوة يومئذ لقلقة على اللّسان، بل هناك أفعال تشير الى صدق اللّسان، اذ تقاسم المسلمون المال فيما بينهم، وبدأت تتشكّل العائلة المسلمة من خلال الزواج والمصاهرة، وتعاهد الجّار جاره، وتفقّد الغني الفقير، واحترم الصغير الكبير، وعلّم العالم الجاهل، وتحرّك المجتمع بكلّ أطيافه في تشيّيد البناء الاجتماعي الذي أسّس للاسلام فيه سمعته، وأبدى صلاحية تطبيق مبادئه ومناهجه.

وغدا مبدأ التكافل الاجتماعي أهمّ المباديء التي يدعو الاسلام اليها كفريضة “من لم يهتمّ بامور المسلمين فليس منهم” و”ومن بات شبعان وبجنبه جار جائع فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه”[72]، وأمثال هذه الاعلانات كثيرة فيما تضمّنه القرآن الكريم وما جاء على لسان النبي الأعظم (ص) ومن فعله وممارسته.

فلا يجد المسلم ازاءها الاّ أن يعمل ﴿وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾[73].

وقد منع الاسلام العزلة لغير ضرورة اذ يروى أنّ النبيّ (ص) افتقد أحد أصحابه فسأله عن سبب تخلّفه عن مجلسه فقال يا رسول الله انّي أردت أن آتي هذا الجبل فأخلو فيه فأتعبّد فقال له النبيّ (ص) لصبر أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الاسلام خير من عبادته خاليا أربعين سنة[74].

فوظيفة المسلم هي اقامة وحدة مترابطة لانشاء مجتمع انساني نبيل في المدى الأشمل، وفي المدى الوسطي انشاء المجتمع المسلم الخالي من العقد والأزمات القائم على التراحم والمحبة يقول الرسول الأعظم(ص): ترى المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمّى[75].

مطابقة القول مع العمل

ركّز القرآن الكريم على مطابقة الأقوال مع الأفعال حفاظا على شخصية المسلم من الانهيار، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾[76] لينطلق المسلم في الواقع محمّلا بثقل المسؤولية واهمية الكلمة وصدق الموقف ، ذلك أنّ الدعوة التي قادها محمّد (ص) دعوة انقلاب على واقع جاهلي بكل تفصيلاته، وأنّ المسلم موكول اليه متابعة الخطى مع القائد ليحقّق النصر لها على كلّ المستويات.

فإذا تردّد المسلم في حالات السّلم أم في حالات الحرب فسيخسر موقعه ويفتح ثغرة ضعف وخوار في جسد الدعوة، يتحمّل نتائجها في الدنيا والآخرة.

فالاسلام يريد للمسلم أن يرتّب وعيه للعقيدة على أنّها المخلّص له من الخرافة،  المنطلقة به في رحاب واسعة، سعة الدنيا بما فيها.

ولقد كان رسول الله (ص) هو القدوة في هذا الاتجاه ، فقد استوعب بسبق المبادرة واتباع قوله بالعمل كلّ مفردات الحياة البشرية ، فحين يدعو للجهاد تجده أول من يلبس للحرب لامتها، واذا وعظ المسلمين  بعدم الارتكان الى الدنيا فهو أول الزاهدين فيها ﴿ولقد كان في رسول الله ما يدلّك على مساويء الدنيا وعيوبها، اذ جاع فيها مع خاصّته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته﴾[77].

الابتعاد عن الانفعال

لم يكن الانفعال والجزم منهجا سليما في الحوار مع الآخر ولم نسمع يوما أنّ الحوار الموضوعي العاقل لم يأت بثمار.

فقد ركّز الاسلام على الحوار كمنهج، وبدأ النبيّ الأكرم (ص) بالحوار مع الآخرين وهو في مكّة وكانت مكّة تعجّ بألوان الشرك وبالصدود لكلّ دعوة لا تلامس عقائدهم.

وقد أدرك النبيّ (ص) أنّ الحوار يبدأ من كونه يحمل فكرا مغايرا وهو على استعداد للتنازل عنه اذا كانت حججهم أقوى من حجّته، ووسيلته الى ذلك الصبر على مرادهم وقد سجّل الله سبحانه قيم هذا الحوار بقوله ﴿وانّا أو ايّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾[78].

فلم ينطلق بشيء مع الآخر على أنّه نبيّ بل رأيناه (ص) في صلح الحديبية وقّع على وثيقة الصلح كونه محمّد بن عبد الله.

فحين أدركت قريش أنّها أمام أمر واقع، وأدرك محمّد (ص) أنّ أبواب الحوار لم تكن مشرعة بالشكل الذي يتسع للنبيّ أن يطرح قضايا العقيدة على بساط الحوار ، فاءنّه اكتفى كما أرادت قريش بكتابة وثيقة للصلح، فقال لعليّ (ع) اكتب يا عليّ بسم الله الرّحمان الرّحيم، فقال سهيل بن عمرو وهوموفد قريش: هذا الكتاب بيننا وبينك يامحمّد، فافتتحه بما نعرفه، واكتب باسمك اللّهم، فقال النبيّ لعليّ امح ما كتبت، واكتب باسمك اللّهم، فقال عليّ لولا طاعتك يارسول الله ما محوت بسم الله الرّحمان الرّحيم، ثمّ محاها، وكتب باسمك اللّهم.

فقال النبيّ اكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل لو أجبتك في الكتاب الذي بيننا الى هذا لأقررت لك بالنبوة، فسواء شهدت على نفسي بالرضا أو أطلقته من لساني، امح هذا الاسم واكتب هذا ما قاضلى عليه محمّد بن عبد الله، فقال له عليّ انّه والله لرسول الله على رغم أنفك، فقال سهيل اكتب اسمه يمضي الشرط، فقال له عليّ ويلك ياسهيل كفّ عن عنادك فقال له النبيّ امحها ياعليّ، فقال يا رسول الله لا تنطلق يدي بمحو اسمك من النبوة ، فقال له فضع يدي عليها فمحاها رسول الله بيده[79].

أعتقد أنّ  الانفعال والجزم والتمسّك بالرأي هي التي تدمّر عملية الحوار ، والتعالي على القضايا الشخصية أو الاجرائية العرضية هي الي ساعدت على انجاح  الصلح كما رأينا.

الشخصية الانسانية

الشخصية المسلمة شخصية اممية انسانية لأنّها تستمدّ مقوماتها من دينها، والاسلام دين انساني عالمي ليس مقصورا على شعب أو قبيل أو امّة بعينها بل هو للناس كافّة من دون تفريق بين أسودهم وأبيضهم عربيهم وأعجميهم .

وكلمة الرسول محمّد (ص) “انّما بعثت للناس كافّة” هي تعبير دقيق عن هذه العالمية، وكذلك أخذه الجزية من أهل الكتاب مع قبوله بقاءهم على ديانتهم يشكّل دليلا عمليا على أنّ الاسلام يريد أن يقف كلّ الناس وراء كلمة التوحيد من أجل أن تتوحّد كلمتهم على بناء الحياة وسعادة الانسان واعمار الأرض.

وجاء الخطاب القرآني مخاطبا الناس ان يوحّدوا الله سبحانه من دون ذكر شيء آخر كما في قوله تعالى:  ﴿يأيها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم﴾[80].

وكذلك حكى القرآن الكريم عن النبيّ (ص) ﴿يأيها الناس انّما أنا لكم نذير مبين﴾[81]. ذلك أنّ الاسلام  في مداه التوحيدي والانساني هو دين أنبياء الله جميعا. قال تعالى حكياية عن نوح النبي حين تولّى عنه قومه ﴿فإن تولّيتم فما سألتكم من أجر ان أجري الاّ على الله وامرت أن أكون من المسلمين﴾[82]

ولقد وصّى ابراهيم الخليل بنيه بهذا الدين ﴿يابني انّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ الاّ وأنتم مسلمون﴾[83].

وكذلك يوسف النبي حكاية عنه ﴿توفّني مسلما وألحقني بالصالحين﴾[84].

وانتهاءً بما حكاه الله عن موسى وعيسى عليهما السلام ﴿وقال موسى ياقوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكّلوا ان كنتم مسلمين﴾[85].

وقوله تعالى عن عيسى ﴿فلّما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري الى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنّا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾[86]. والنبي مسؤول عن تركيز هذا الفهم في الأذهان.

ومن هنا تهافت منطق القبيلة ، واخمدت نيران العصبية، وولّى الفكر القومي المحدود، وغدا الاسلام مترجّما لحركة الأنبياء ليكون الدين القيّم.

التوازن والوسطية

لا يملك الفرد المسلم ولا الامّة المسلمة مفاتيح النجاح الاّ اذا امتلكا آليات عمل متوازنة ووسطية.

فالاسلام أعطى للروح حقّها وأوصى أن يعطى للمادّة مثلها ، وجعله يتطلّع الى جنّة عرضها السماوات والأرض كما شدّه لدنياه ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾[87].

وشدّد على الذين اعتزلوا الحياة وجانبوا طيّباها ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انّه لا يحبّ المسرفين قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾[88].

وفي دعاء القرآن الكريم ﴿ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾[89] ما يدعوا الى التوازن في العبادات والمعاملات والسياسة والاقتصاد وفي كلّ شؤون الحياة الأخرى.

وهذا المنحى يشكّل تهديدا لذوي النزعات الصوفية غير المتوازنة. فليس لهؤلاء أن يشيدوا امّة يحكمها منهج الله الذي وازن بين الدنيا والآخرة، والذي وضع أحكاما تتماشى مع البشرية وهي في قمّة رشدها ودعا الامّة التي تشرف على تطبيق منهج الله أن تكون الامّة الوسط ﴿وكذلك جعلناكم امّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾[90]. فوسطية امّة الاسلام يتمثّل في عقيدتها التي تقوم على الايمان بكتب السماء كلّها وبأنبياء الله كلّهم فهي شاهدة على هذا النور الذي أخذ بيد الانسان الى الايمان بالله وحده وأخرجه من ظلمات الكفر والضلال.

ووسطيتها كذلك تتمثّل في شخصيتها التي صاغها الاسلام لها تلك الشخصية التي لا تسمح بالذوبان والانحلال في بوتقة الحضارات المادية أو تساير النظم الأرضية التي ترفع رايات العداوة للأديان السماوية.

وهي وسط فيما يدعوها العقل أن تأخذ من كلّ ما يجدّ بما له مصلحة بنفع الانسان، وضالتها الحقيقة وهدفها الحكمة تأخذهما أنّى وجدتهما.

مسؤولية شباب الاسلام

انّ على شباب الاسلام في أيّامنا الراهنة مسؤوليات خطيرة، اذ هم المحرّك الأساس لعجلة الاسلام، في صراعه الدائر مع خصومه.

ولقد أنشأ نبيّ الاسلام (ص) الحلقة الاولى من الشبّان، والتي أخذت على عاتقها بناء الاسس الاولى للدعوة، ذلك لأنّهم أسرع الى كلّ خير، وأقدر على انجاز المهامّ مهما كانت عسيرة، والأجدر باءستيعاب ما يلقى اليهم، لأنّ قلب الشاب كالأرض الخالية تتقبّل مايلقى فيها.

ولقد وقف وراء هذه الثلّة الشبابية المباركة، مجموعة كهول وشيوخ، يتهادون خلف نبيّهم بروح شابّة، وهمم متصاعدة، وعقلانية رائدة.

وتقدّم الاسلام فاتحا وضرب بقوّته الأرض،  بهمّة شبّانه، وهدي نبيّه، ورزانة شيوخه .واليوم وقد تيسّر لشباب الاسلام من وسائل للدعوة غير تلك التي كانت بأيدي اخوتهم في صدر الاسلام، فبات لازما أن يستخدم المسلم تلك الوسائل، بآليات عمل منسجمة مع الواقع الذي يعيش.

فأبواب العلم مشرعة في كلّ أنحاء الدّنيا، ومن الحيف بمكان أن تفتقد شبّاننا، والتخصّص بأي حقل من حقول المعرفة، يهييء الأرض المناسبة للداعية أن ينطلق واثقا، من احرازه النتيجة المرجوة، لأنّه كلّما كبرت مساحة علمه، كبرت دائرة علاقاته، وتكبر معهما مسؤولياته ن فيشرف من الموقع المتميّز على عمل الدعوة الى الله.

واذا لم يتهيأ لبعض شبابنا ذلك، فلا يظننّ أنّ قطار المعرفة قد فاته، ففي العلم الديني مايغنيه ويثريه، وان كان لا يقرأ ولا يكتب، فحكمة الحياة بين يديه، وأبوابها مفتوحة له، والمعاني الانسانية في الاسلام، وقيمه المتعالية، ليست حكرا على من يقرأ ويكتب.

فالاسلام يحتاج الحميع من دون استثناء، ولكنّ أسلحة العلم الحديث، والأساليب الحديثة في الدعوة، هي أمضى سلاح.

ومن درس الاسلام في حلاله وحرامه، وفهم مقاصده وغاياته، وأحكم عدّته للدخول في الحلبة، أحرز قصب السبق فيها.

فالشاب المسلم أيّا كان موقعه، وأيّا كانت ثقافته، فهو ابن المجتمع الذي يعيش فيه، وابن البيئة التي ترّبى فيها، ولا يحتاج الاّ الى المنهج الذي يأخذ بيده للبناء، وتخليصه من كوابيس المادة وهذيانها المخيف، واخراجه من التيه والضياع الذي ألمّ بأكثر الناس.

فالواقع اليوم بحاجة ماسّة الى الاسلام كدين هداية وعلم، كما هو بحاجة الى كلّ دين سماوي، ينأى به عن الحروب والانهيارات الأخلاقية.

لقد انتشر الاسلام في الدنيا بمعاملة أبناءه لغير المسلمين معاملة انسانية صرفة، وانفرجت له الطرقات لما يحمل من صيحات خلاص للانسانية المعذبة .

واذا كان شباب الاسلام حملوا السيف في وقت من الأوقات،  فلأنّهم ثأروا لكراماتهم التي داسها الطغاة، وحماية لحرياتهم التي صادرها مصّاصوا الدماء.

قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا اليهم انّ الله يحبّ المقسطين انّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فاؤلئك هم الظاّلمون﴾[91]

فالسيف هذا حمله المقهورون،  المعذّبون،  المحرومون، بيد أنّ الواقع اليوم يذبح بسيف دعاة الحرية والسلام، وتباد شعوب بأسرها، وتنتهك حرمات، وتسلب ثروات، وتحتلّ أوطان ويشرّد أهلها، وليس من مغيث، ولا معترض، واذا كانت هناك صيحة اعتراض فخجولة.

الموقف من ظاهرة الغلو

لقد اهتم الاسلام بالعلم، فكانت أول آية نزلت على رسول الاسلام محمّد (ص) هي ﴿اقرأ باءسم ربّك﴾.

اقرأ يا محمّد الكون وما فيه من أسرار وآيات، وافتتح كنوزه، وحلّ ألغازه ورموزه، وفكّ عقده، ولكن باءسم ربّك.

فبالعلم ينطلق الانسان لاكتشاف نفسه وما أودع الله فيها من أسرار، وهكذا كان لمحمّد ومن وقف معه قارئا.

والذين آثروا العيش مع الجهل أصبحوا الأداة الضارة، والغدّة السّامة في المجتمع.

فقد انفتحوا على الكذب تعويضا لهزيمتهم أمام من أضحوا عيش العلم.

وقد أشار النبيّ (ص) الى ذلك بقوله : كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار.

ومن صور الكذب عليه (ص) المغالاة به، ويروى أنّه دخل عليه رجل فقال السلام عليك يا ربّين فقال له مالك لعنك الله انّ ربّي وربّك الله ، اما والله لكنت ما علمتك لجبانا في الحرب لئيما في السلم[92].

وورد عنه (ص) أنّه قال : لا ترفعوني فوق حقّي فاءنّ الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا[93].

فالغلو امّا ناشيء عن قصد في عماية اجهاض العقيدة من الداخل وتشويشها في الذهن، واخراجها من التوحيد الى منظومة شركيات وخرافة، وامّا ناشيء عن جهل بالاسلام جملة وتفصيلا، فحينها تتحول الأضغاث أحلام عقائد متبناة، وأقاصيص الخرافة هي التأريخ!!

وكلا المنشئين يحتاجان الى شغل دائم وهمّ دائم، وعلى المثقّف المسلم كما على المؤسسة الدينية أن يقوما بنشر العقيدة الخالية من شائبة غلو، وطبع الكتب المعنية بذلك، وحرق الكتب الغالية، وحجب الثقة عن رجال الدين الغالين، وتعطيل منابرهم الغالية.

واذا لم تكن هناك حملة قوية في مقابل ظاهرة الغلو التي نشهدها هذه الأيام، والتي قد ينشأ عنها جيل أبله يصبح سكّينا في خاصرة الاسلام والأمن العام لمجتمعاتنا.

ويعطينا الامام الصادق (ع) درسا في سلوك الجادّة الوسطى التي لا غلو فيها ، كما تمثّل تبرئة واضحة من الذين يدّعون الانتساب الى مدرسته فيقول: اتقوا الله، وعظّموا رسول الله، ولا تفضّلوا على رسول الله أحدا، فاءنّ الله تبارك وتعالى قد فضّله، وأحبوا بيت نبيكم حبّا مقتصدا، ولا تغلوا ولاتفرقوا، ولا تقولوا ما لا نقول، فإنّكم ان قلتم وقلنا، متّم ومتنا، ثمّ بعثكم الله وبعثنا، فكنّا حيث يشاء الله وكنتم[94] فوالله ما نحن الاّ عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع، وان رحمنا فبرحمته، وان عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجّة، ولا معنا من الله براءة، وانّا لميتون ومقبورون، ومنشرون ومبعوثون، وموقوفون ومسؤولون[95].

لقد نبهنا قرآن هذه الامّة على مخاطر الغلو في الدّين وكيف أنّه أقضّ مضجع ديانات ، وجلب المتاعب لأصحاب رسالات ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الاّ الحقّ انّما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته﴾[96].

فالنصرانية تعرضت لحملة غلوّ قادها مغرضون فأدخلوا فبها شيئا من أساطير الاغريق والرومان والهنود وبعضا من الديانات المصرية التي قامت على التثليث، وراح الموحدون النصارىيقاومون هذه الالتقاطية مما عرّضهم لألوان العذاب من الحكومات الرومانية.

وكما ابتليت النصرانية بالغلو فقد ابتلي الاسلام كذلك، فوضعت تفاسير للقرآن في غاية التفاهة، وعاشت أجيال على مرويات اسرائيلية ضمّتها كتب المسلمين.

ولكن من ألطاف الله على هذه الامّة أن بقي قرآنها لم تناله يد التحريف، والمسلمون محكومون به دون سواه.

الكتاب الثاني

التشيع كما افهمه

يحتوي الكتاب على مجموعة تاملات في موضوع لطالما كثر الحديث حوله الا وهو موضوع  الامامة واجد انها نقلة او جولة سريعة ولكنها ممتعة لانها صريحة وحرة وحسبي ما أفهمه منها انها نقطة المركز الذي ينطلق منها المسلمون سياسيا لقيادة المجتمع

وقد تواجه هذه التاملات ببعض الردود المعتادة التي تحرن عند النصوص التي احتضنتها بعض كتب الاخبار، فالامامة التي يقول بها الشيعة الامامية والتي جعلوها قدر المسلم الايماني بالرغم من عدم كونها اصلا من اصول الدين، تشكل اليوم مظهرا من المظاهر غير المتوقعة لاختلاف امة الاسلام التي وحدها منهج الله سبحانه.

لذلك، ارى ان التلهي بها مضيعة للجهد، والدعوة اليها اهمالا للاسلام. وهي لاتعدوا ان تكون مساْلة فكرية يمكن النقاش حولها فهي ليست منفصلة عن المسائل الاخرى في دائرة الافكار الاسلامية.

اما الامامة حركيا فهي القيادة المختارة لادارة البلاد وسياسة العباد واذا اختارت الامة قيادتها وجب الانقياد لها بمقدار انقيادها لدين الامة ومصالحها.

الإمامة: رأي ام عقيدة

الامامة مقولة تتردّد كأنها مسلمة. ولا يناقش فيها أحد. بل ولا يتسنّى لأحد ردّها. وإذا ناقشها احدٌ، ردا او اجتهادا في فحواها وابعادها، فقد فتح عليه أبواب جهنّم.

واذا فتحت ابواب جهنم على المشتغل في قضية الامامة برأي يخالف الموروث الشيعي فإن أقلّ ما يوجه اليه التفسيق والتهميش بل حتى الإقصاء. وقد يفترى عليه، كما حصل معي شخصيا، لأنّ المتفكر في الامامة ولو برأي، هو، كما يتصورون، ضدّ الإمام عليّ، وضدّ ولايتة.

مقولة امامة او خلافة الامام عليّ بن أبي طالب عليه السلام مضى عليها ما يقرب من خمسة عشر قرنا من الزمن. لكنها ما زالت تشكل لب الصراع والانقسام الذي خطه متفننو الفتنة في الامة ليبقى فتيلا مشتعلا لا يستطيع الاسلام نفسه بكل ما فيه من سماحة ان يبطل خطر انفجاره.

هل هي قضية فقهية ام عقائدية

لا تعدو قضية الامامة أن تكون قضية فقهية أو عقائدية: فإن كانت ‹فقهية›، فلا يصحّ أن نلزم بها أحدا. فإمّا أن يجتهد الواحد منّا بها أو يقلّد أحدا من أهل العلم، فحالها حال أيّة مسألة من مسائل الأحكام الفقهية.

وإن كانت ‹عقائدية› فيدركها المسلم بعقله دون الرجوع الى غيره، إذ لا يصحّ التقليد بقضايا العقائد.

وقد يرتأي أحد أنّها ‹مسألة تأريخية› طواها الزمن، وبقيت في التراث الإسلامي موضوع دراسة، نتفاعل مع كلّ موقف إيجابي لإشخاصها ونتوقّف عند الموقف السلبي، ونحسن الظنّ .

فلم يكن عليا ولا عمرا بيننا حتّى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إنّما هما في غيابت التأريخ، وليس بين أيدينا سوى قصص وروايات. وفي الأعمّ الأغلب، تتصف هذه المرويات بالتشنج والتأزم مما يوحي للدارس، دون ادنى عناء، رجوح امكانية اختلاقها. بل ان سهولة توضيف هذه المرويات سياسيا. يكاد يقطع بثبات اختلاقها في المقام الاول.

ومن يحرص على الإسلام من موقع أنّه دين الله، وأنّه منهج المسلم في الحياة، عليه أن يأخذ من عليّ ومن عمر تجربتهما في مواصلة الطريق على خطى محمّد بن عبد الله (ص)، وعليه ان يدرك ان الرجوع اليهما رجوع الى الإسلام من دون أدنى شكّ.

ولا أعتقد أنّ الجهد الذي بذله جمع من أبناء الأمّة وعلمائها في أحقية الخلافة، أو فيما يدور في فلك الإمامة من موضوعات، يدعم الإسلام اليوم. فهذا الدين الذي تفرد بالريادة عبر التاريخ يحتاج منّا جهدا إستثنائيا حتى لا نخسر قدرتنا على اعادة توظيفه ليكون البديل الحضاري المزاحم لأنظمة الأرض التي لحقها الفشل لإفتقادها المنهج الأخلاقي والروحي.

ومن الفشل الذريع أن نتلهى ونتخاصم ونتأزّم على قضية عفاها الزمن وأصبحت فكرا من الماضي.

علما أنّ صاحب القضية وهو الإمام عليّ (ع) لم يعبأ بها ولم يلتفت الى ماجرى، لأنّ همّه كان أكبر من الإمامة، وإهتمامه كان أوسع من يصبح رئيسا أم مرؤوسا .

وأقدّر أنّ من يشعل النيران ويزرع التفرقة فيما بين المسلمين ليس حريصا على الإسلام الذي جاهد من أجله عليّ وأستشهد على طريقه.

ومن الحرص بمكان على أمّة محمّد (ص) أن لا نشغلها بمسائل تشقّ صفوفها وتمزّق وحدتها.

اما من الناحية العقيدية وتفاعلها مع الموقف السياسي فلا مانع من الإعتقاد القلبي بالإمامة أو بغيرها. لكن ان يُفعّل هذا الاعتقاد لإثارة النزاعات، أوفتح ملفّات تأريخية من شأنها تدمّر وحدة المسلمين، فإن الامر عندها لا شك لا يصب في مصلحة احد حتى الشيعة انفسهم.

وأعود الى القول بأنّ هذه القضية كغيرها من قضايا التأريخ والفكر تحتاج الى دراسة وتجرّد وموضوعية وحرص .

وهي واحدة من قضايا الإسلام الكثيرة، ولا يصح بعد أن دانت الأمّة بالولاء لكتاب ربّها والإهتداء بهدي نبيّها أن نجعل منها ومن غيرها الفيصل بين الإيمان وعدمه.

وأستغرب للمهتمين، وإن كنت أحدهم في زمن مضى وبلا رجعة، أن يشغلوا أنفسهم بما ورد من أخبار وروايات لا يقف معظمها أمام النقد والتمحيص والتدقيق. وكما يقول صاحب سيرة ‹الأئمة الثنا عشر› انه “مهما كان الحال، فالحديث عن فدك وميراث الزهراء من أبيها، ومواقفها من ذلك ومن الخلافة، طويل وكثير. وبلا شكّ، فإنّ الأصحاب والأعداء قد وضعوا (اختلقوا) القسم الأكبر ممّا بين أيدي الرواة. ولا يثبت بعد التمحيص والتدقيق من تلك المرويات إلاّ القليل القليل”[97]

وأنا أنسب الى الجهل اولئك الذين  يدورون في هذه الأفلاك الضيقة، سواء كانت الإمامة أم عدالة الصحابة أم غيرهما، ممّن تجاوزهما المسلم في صراع الإسلام الحضاري مع خصومه. الجهل بحقيقة الصراع القائم، فهناك من يبرع في اللّعب على الناس “الغلابة” الذين لا يمتلكون ما يكفي من المعرفة ليعقلوا الغث من السمين.

فمن غير المعقول أن تحتشد قوى عديدة، وتُسخّر طاقات جمة، ويبذل مال بسخاء كبير لطبع كتاب حول احقية الامام علي بالامامة، أو إنشاء منبر لا يكف عن لعن الصحابة، أو خلق جيل همّه التطأف والاحتشاد خلف اطراف معينة، في وقت لا يبذل نفس هؤلاء المشبوهين الطاقات والاموال والمنابر لجمع الامة على كلمة سواء او لم شملها وتوحيد قوتها.

والأغرب من ذلك أن يصدر فقيه كبير ومرجع تاريخي للشيعة وهو الامام الخوئي حكما بإسلام من سماهم “الأولين الغاصبين” (ويقصد أبا بكر وعمرا). فالامام الخوئي، ورغم انه يرى ابا بكر وعمر مغتصبين لحقّ أمير المؤمنين (ع)، الا انه “يتفضل عليهم” ويعتبرهم انهم مسلمين ظاهريا.

ومن المستغرب ان يتصدى فقيه لتحديد ما اذا كان اسلام فلان او غيره هو اسلام صحيح ام غير صحيح. فالامر في النهاية في علم الله. ويرى الامام الخوئي ان ابا بكر وعمر كانا ناصبي العداوة لأهل البيت لأنهم، برأيه، نازعوهم في تحصيل المقام والرياسة العامّة[98].

غير ان احد تلامذه الامام الخوئي، وهو من فقهاء الطائفة!!، لم يعجبه حتى اعلان استاذه قبول الاسلام الظاهر لأبي بكر وعمر بل اعترض على استاذه معتبرا ان ما فعلاه كان جرما كبيرا اذ يقول:

“… أي عداوة أعظم من الهجوم على دار الصدّيقة وإحراق بابها، وضرب الطاهرة الزكية وإسقاط ما في بطنها، وهتك حرمة مولى الثقلين (اي الامام علي)، وأخذه كالأسير المأخوذ من الترك أو الديلم، وسوقه الى المسجد لأخذ البيعة منه جبرا وتهديده بالقتل وإنكار كونه أخا رسول الله (ص). والذي يدلّ على نصبهم وعداوتهم وإنحرافهم أنّ الصدّيقة المعصومة لم تردّ جواب سلام الرجلين وأعرضت وجهها عنهما وقالت للأوّل والله لأدعونّ عليك مادامت حياتي. ولقد أجاد المحقّق الأصفهاني في منظومته حيث قال:

لكنّ كسر الضلع لبس بمنجبر    إلاّ بصمصام عزيز مقتدر[99].”

ومن مثل هذا المال حمّل إجمال!!، وهاذين النموذجين ليسا لفقهاء عاديين بل هم من اساطين الفقه الشيعي. ومثل هذا الفقيه وغيره هم من يفتي ويقود السفين، “وإذا كان ربّ البيت بالدفّ مولعا فشيمة أهل البيت كلّهم الرقص”.

ساعد الله من سمع مقالة هذا الفقيه فقلده، ومهما يكن فلنا في عليّ بن أبي طالب وبآل عليّ،  وبمن جعل القرآن الكريم أمامه فأصبح همّه، وإهتدى بهدي نبيّه المصطفى وهو قدوته، وبفكر علماء الأمّة الحريصين على وحدتها، خير أمل.

ومن يزرع الاشواك في طريق المسلمين ويخرف حركتها ويجهل ابناءها لا يمكن ان يحسب على أي مذهب من مذاهب المسلمين.

سأكتب لكم كتابا

في أيام النبي (ص) الأخيرة، وكان مريضا، اجتمع حوله صحابته الكرام وأهله الطاهرون ليجددوا به عهدا ويلقوا على من علّمهم الكتاب والحكمة النظرات الأخيرة وقلوبهم تعتصر ألما لفراقه.

يروى أنّ النبي (ص) أمر بإحضار دواة وكتف ليكتب كتابا لن يضلّوا من بعده أبدا، وأنّه قال بعد أن سمع لغطا من صحابته: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع.

وخرج ابن عبّاس يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه[100].

فهل هذا الكتاب الذي يريد أن يكتبه النبي (ص) هو نصّ قرآني؟ وإن كان كذلك، فما معنى قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا﴾[101].

الم ينقطع عنه الوحي بعد نزول هذه الآية، ممّا  أشعره بدنو أجله؟

ولو كان قرآنا، فإن من عادته (ص) ان يقرأه على صحابته فيحفظونه، واذا كان هذا النصّ قرآنا وأراد كتابته وأنّ آية الاكمال ليست الأخيرة فلماذا انزعج لكثرة لغط صحابته وترك القرآن ناقصا؟ فهل يعتقد المسلمون بأنّ القرآن ناقص؟

ثمّ أيّ نصّ هذا الذي لن يضلّ المسلمون بعده، أهو آية واحدة أو أكثر؟ ولماذا لم يبلغه المسلمين في حال الصحّة وبغير هذا الوقت؟ وهل يصحّ لنبي الرحمة أن يترك امته على ضلال الى يوم الدين؟

وأين نضع القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه المحفوظ في الصدور، المعمول به في الواقع، المجموع في صحائف، الذي هو منبع النور والهداية ازاء ما يريد النبي (ص) كتابته؟!

ولو فرضنا أنّ النصّ قرآني وفيه تصريح بالخلافة لعلي (ع) فأين نضع يوم الغدير الذي انفتح فيه المسلمون جميعا على أنّ عليا مولى كلّ مسلم ومسلمة فلماذا لم يبلغهم بالنصّ ويعصم الامّة من الضلال؟!

وأعتقد أنّ ما يريد النبي (ص) كتابته هو من عنده وليس قرآنا واقدّر أنّ مقولة عمر بن الخطّاب “حسبنا كتاب الله” مقولة واعية.

فلقد أوضح الله سبحانه في الاكتفاء بالقرآن قوله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم انّ في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾[102].

ولقد جنى رسول الله (ص) ثمار تربية أصحابه على كتاب الله يوم سماعه عمرا بأنّه يكتفي بكتاب الله بعد رحيل رسول الله.

ولقد أرسى رسول الله (ص) قواعد الانطلاق في قيادة الحياة من خلال كتاب الله وسنّته وعترته وفارق الحياة وهو قرير العين في تأديته الرسالة وتحمّله الأمانة وتركه الامّة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها فلا رزية كما يروى عن ابن عبّاس (رض).

النص على الامامة

لم يكن القرآن الكريم قد ذكر نصّا صريحا على امامة الائمة من اهل البيت الذين كان أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم المهدي المنتظر عليهم السلام.

ولا يجد من يستفهم حول ذلك الاّ الرد القائل بأن القرآن الكريم قد أشار الى الصلاة ولم يكن ليفصل أركانها وحركاتها، وانما فرضت أركانها بهذا الشكل الذي نصلي به من قبل السنة المطهرة.

ويقولون أن الامامة لطف كالنبوة، بل ويذهب جماعة الى أكثر من ذلك، فيعدون النبوة لطفا خاصا محدودا والامامة لطفا عاما شاملا! اشارة لتعظيم دورها وسعة افقها، وأهم مافي هذا الكلام أن الامامة ضرورة، ولكن هل هي بهذا الحجم الذي يقول به الشيعة من أنها منصوص عليها والخارج عنها، أو من لا يؤمن بها، ففي اسلامه خدش أو هو كافر أو مشرك أو ابن كذا وكذا؟!

إذا كانت الامامة لطفا، وهي كذلك، لثبوت حاجة المجتمع اليها، ولكونها امتدادا للنبوة، فلماذا، اذن، تتحول الى معميّات ومتشابهات يجد المتتبع حاجة الى من يؤولها ويثبتها له.

ان آية واحدة محكمة صريحة واضحة الدلالة تنهي هذا الجدل كله وتحسم الموضوع برمته وتجعل المسلمين يقفون على أمر جامع حولها.

إن قيل ان الواقع يومذاك لا يتقبل عليا (ع) لصغر سنه أو لانه كان شديدا في الحق قويا في ازهاق الباطل، وأن الفئة التي لا تطيقه ولا ترتضيه يمكن أن تحرّف القرآن أو تحرف المسيرة عن خطّها النبوي، يكون الردّ على أقوالها ان القرآن الكريم لم يكن المسلمون هم الذين تطفلوا بحفظه من التحريف، بل الله سبحانه هو الذي فعل ذلك ﴿اناّ نحن نزّلنا الذكر وانّا له لحافظون﴾.

واذا كان الواقع لايطيق عليا فلماذا يفرضه النبي الاكرم في وصاياه الواضحة الدلالة مثل قوله “من كنت مولاه فهذا علي مولاه” و“أنت مني بمنزلة هارون من موسى الاّ أنه لا نبي بعدي”. وأمثال هذه الوصايا كثيرة وقد ذكرها المسلمون على تعدد وجهات نظرهم في كتبهم.

ثم اذا كان ذكر علي في القرآن يؤدي الى قيام القيامة عند بعض المسلمين وهم في الخط المتقدم في الحياة الاسلامية فأي امة هذه التي قال الله عنها أنها ﴿خير امة اخرجت الى الناس﴾، وأنزل في وجوه رعيلها الاول عشرات الآيات ثناء واجلالا وغفرانا!

واخيرا، إذا تمّ تأويل النصوص القرآنية بما يفيد أن عليا وآله هم المصاديق الاولى للجهاد والعبادة والقيادة والعلم وأمثال ذلك فلا أجد أحدا من العقلاء يردّ هذا التأويل اذ شهدت سيرتهم على ذلك.

واذا أشار النبي الى عليّ بن أبي طالب (ع) فهو موضع اعتزاز اذ نجد نبينا يكرم أخصّ تلامذته وهو الذي يعلّم الوفاء ويضع الامور في نصاباتها.

واذا كان ثمّة فهم أو نوايا عزلت عليا (ع) عن السلطة السياسية فهذا دليل على أن عليا كان زاهدا فيها فقد شبّه الخلافة يوم آلت اليه بـ”عفطة عنز” وهي “لا تساوي عنده  شسع نعله اذا لم يقم حقّا أو يزهق باطلا”.

فإذا لم يكن هو اماما في المعنى السياسي فهو الامام في كل المعاني من خلال ما جسده من سلوك وهدي وفهم وبصيرة.

واذا اختلفت الافهام في تفسير نصوص السنة النبوية بشأن خلافة علي  وامامته بالمعنى الذي يقول به الشيعة، فكل يحمل دليله معه يوم يلقى ربّه، ولسنا مسؤولين عن عقول الناس ونواياهم.

علما أن الشيعة أنفسهم انقسموا الى عدّة طوائف واتجاهات فمنهم: ‹الفاطمية› و‹الواقفية› و‹الاسماعيلية› و‹الزيدية› وغيرهم، ولم يبق من بين هذه الاتجاهات الاّ الشيعة ‹الامامية الاثني عشرية› الذين يقولون بالامامة الممتدة الى اثني عشر اماما.

بيد أننا لو رجعنا الى الامامة كأصل أو الى تسلسل الائمة الاثني عشر من خلال الاخبار نجد أنها لا تقف أمام النقد العلمي سندا أو مضمونا في الاعم الاغلب منها.

ولو صحّ بعضها فالمرجع الذي نرجع اليه هو القرآن وما أجمعت الامة على فهمه والعمل به.

أفكار معارضة للقرآن والعقل

نقرأ في الكتب ونسمع من المنابر افكارا تتعارض مع كتاب الله سبحانه ومع العقل

لقد شكّل تأويل القرآن لصالح فكرة ‹الامامة› ظاهرة خطرة على الاسلام والعقل.

نذكر هنا نموذجا من تلكم التصورات لنتعرّف على المفارقات العجيبة والمغالطات الرّهيبة والتناقضات الواضحة التّي احتجنتها كتب تعدّ من أهمّ كتب الطائفة المنصورة[103].

الفكرة الاولى: “أنّ الحجّة لا تقوم لله سبحانه الاّ بالامام حتّى يُعرف” ومعناه اذا لم يعرف فهو ليس بحجّة.

وليس لدى المسلم مقياس يقيس عليه هذه المرويات الاّ القرآن الكريم فهو يتحدّث بوضوح: ﴿رسلا مبشّرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل﴾[104].

ويتهادى خلف هذا البيان الرّباني قول علي (ع) اذ يقول: “تمّت بنبينّا محمّد حجّته”[105].

اذن الحجّة هو النبي الأكرم(ص) دون سواه وأنّ أئمة أهل البيت(ع) ليسوا حجّة لأنهم لا يملكون رسالة أي ليسوا أنبياء وانّما وظيفتهم ايضاح ما استعجم على الناس واستنباط مافي الرسالة من قواعد في اطار كونهم علماء الاسلام.

الفكرة الثانية: “لو بقيت الأرض بغير امام لساخت وهي معارضة لقول الله سبحانه ﴿انّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده﴾[106]. وقوله تعالى ﴿ألم تر أنّ الله سخّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السّماء أن تقع على الأرض الاّ باءذنه﴾[107] .. فما هو دور الامام اذن أمام هذه الأرادة الربّانية!

الفكرة الثالثة: أوّلوا قول الله تعالى ﴿ويقول الذين كفروا لولا انزل عليه آية من ربّه انّما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾[108] في أنّ عليا (ع) لكل قوم هاد وانّ المنذر محمّد (ص).

أقول لماذا لا يكون محمّد (ص) هو المنذر الهادي؟ وهل  يتقاطعان في مقام الدعوة؟ ثمّ لماذاعلي (ع) هاد ومن قعّد محمّدا (ص) عن هدايته ومنح عليا نعمة الهداية؟!

أليس عليّ تلميذ رسول الله (ص) لا يتقدم عليه خطوة لا في قول ولا عمل ولا فضيلة؟

يقول عليّ (ع): نظرت الى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استنّ النبي محمّد (ص) فاقتديته[109].

الفكرة الرابعة: أنّ الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه وتراجمة وحيه، وهي تتعارض مع ما حكاه القرآن الكريم عن محمّد (ص) ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم انّي ملك﴾[110] هذه هي ثقافة التوحيد الخالص التي نشأ عليها رسول الله (ص) فإذا كان الرسول لا يملك ذلك فكيف يملكها الامام؟!

الفكرة الخامسة: “أنّ الأئمة خلفاء الله في أرضه” وهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿واذ قال ربّك للملائكة انّي جاعل في الأرض خليفة﴾[111] . وقوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض﴾[112]

فالآية الاولى تتحدث عن الانسان الخليفة الذي أوكل الله اليه خلافة الأرض ليعمّرها ويمكّن مناهج الله فيها لتبقى العلاقة قائمة فيما بين الانسان وربه.

وجاء اعتراض الملائكة على خلافة الانسان لما يختزن في أذهانهم من أنّه غير قادر على المواصلة في خطّ طاعة الله سبحانه لأنه غير مجبور عليها مثلهم ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء﴾[113] فلو قال الله تعالى انّي جاعل في الأرض خليفة لي لم يكن ليعترض الملائكة.

اما الآية الثانية وهي تفيد الوعد الالهي للمؤمنين كافّة على امتداد الأجيال في عملية استخلافهم واقامة دولتهم ونصرهم على أعدائهم.

لقد جاء الجواب الالهي الدقيق بقوله ﴿منكم﴾ ولم يأت خاصّا بالامام فحسب.

ومع ذلك فقد تحقق هذا الوعد للنبي (ص) وللصفوة الذين معه اذ أقاموا دولة الاسلام في المدينة.

ويحقّق الله سبحانه وعده للمؤمنين به على امتداد الزمن وكذلك فالبشرية موعودة بالمهدي من آل محمّد الذي يملؤها “قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا”.

أما فكرة الرجعة التي يؤمن بها بعض الشيعة والتي تعني أنّ الأئمة يرجعون الى الحياة الدنيا واحدا بعد واحد ليقيموا حكم الله في الأرض فلا تعدو أن تكون ردّة فعل نتيجة اقصاء الأئمة عن الدور السياسي.

الفكرة السادسة: “أنّ الأئمة نور الله عزّ وجلّ أو أنّه سبحانه خلقهم من نور أو أنّهم كانوا أنوارا قبل خلق العالم”.

مفاد هذه الفكرة أنّ الأئمة ليسوا بشرا. كيف ذلك والله سبحانه يؤكد بشرية حتى النبي نفسه بقوله ﴿قل انّما أنا بشر مثلكم﴾ ولم يرد في كتاب الله ما يشير الى نورية الأئمة بل أشار الله تعالى الى القرآن الكريم أنّه نور بقوله ﴿فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون﴾[114].

وأعتقد أنّ من يتمحّل ليقول أنّ فاطمة (ع) هي نور السماوات والأرض مستدلّين بقوله تعالى:(والله متمّ نوره) 117فقد خالف نصّا قرآنيا هو قوله سبحانه ﴿الله نور السماوات والأرض﴾118

الفكرة السابعة: “أنّ الائمة أركان أالأرض” فإن كان المقصود بالركنية المعنوية فهم حقّا أركان الأرض من خلال وعيهم واخلاصهم وعبوديتهم لله سبحانه.

وهذه الركنية ماكانت يوما ما مانعا لأولاد الأئمة أو لشيعتهم من فسق هنا وفجور هناك أو أنّها منعتهم من حالات التشظّي والفرقة والاختلاف والتقاتل.

وان كان المقصود منهاهي القوّة الماسكة للأرض فلقد رأينا الزلازل تحصد آلاف الشيعة من أتباع أهل البيت فلم نر اماما تدخل في منعها والله تعالى يقول ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾[115] ولم يقل، القى الله الأئمة رواسي.

الفكرة الثامنة: “أنّ أعمال العباد تعرض على النبي والأئمة” فيستاؤن اذا شيعتهم أذنبوا ويفرحون ان أحسنوا.

ويجري ذلك في الاسبوع مرّة للامام المهدي (ع)، بيد أنّ الله سبحانه هو المطّلع كونه الرّب المتعال الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ويعلم ما تكنه الصدور وما تنطوي عليه الضمائر ﴿وكفى بربّك بذنوب عباده خبيرا بصيرا﴾[116] وجاء في القرآن الكريم حكاية عن نوح(ع) ﴿قال وما علمي بما كانوا يعملون ان حسابهم الاّ على ربّي لو يشعرون﴾[117]

لماذا تعرض الأعمال على النبي والأئمة أهم يملكون قرار الثواب والعقاب أم الجنّة والنار؟!.

الامامة كما افهمها

الامامة السياسية

بعد رحيل المصطفى (ص) الى الرفيق الاعلى غدت الحياة الاسلامية بقيادة الخلافة الراشدة، فظهرت مواقف نابعة من اجتهاد ورؤية، وقد كان من حكمة النبي وهدي الرسالة اهتمامه بتربية أصحابه وخصوصا عليّ بن أبي طالب وتهيئته له طوال المدّة التي قضاها تلميذا الى جانبه، مصغيا بقلب واع وفكر متوقد الى فحوى كلام استاذه ومقاصده، اذ كان من شدّة حرص النبي الكريم، وهو الذي يعرف طبيعة الناس وطبائع الاشياء على سلامة المسيرة من بعده، أن هيأه للدّين وللدنيا حتى لاتنفتح على الامّة منافذ النزوع الى الرأي فيتلهى الواقع بغير النصوص قرآنا وسنة، فكان عليّ بن أبي طالب في الامّة من تشهد له الحياة وجميع الصحابة بالفقه والمعرفة بأولويات الشريعة ومقاصدها ولم يكن أحد يعدوه في ذلك.

وكانت مشيئة الله سبحانه هي الغالبة، وبقي القرآن الكريم هو الذي يحكم المسيرة والمرجع الذي يرجع اليه المسلمون وان تقاتلوا أو اختلفوا بمقاصده ومعانيه، وبقيت أحاديث رسول الله هي المتأصّلة في النفوس وان اختلف المسلمون في صحّة ورود قسم منها وعدم صحته فقد بقي مبدأ النبوة ومقام النبي محفورا ومحفوظا في المشاعر والقلوب.

وهذا المعنى هو الذي مكّن الاسلام من الثبات والرسوخ برغم كل الصعوبات التي اعتورت طريقه اذ كانت النبوة أمانا من الفرقة في نهاية المطاف.

وقد قال الله في ذلك ﴿ولقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا﴾.

ففي حياته (ص) قدوة للناس لا يختلف في ذلك اثنان، واستمر الاقتداء بالمصطفى حتى بعد وفاته. ففكره وهديه (ص) هو الجامع لوحدة الامّة ولمّ شملها مع ما برز من تعارض في الرؤى عند نخبها.

فلقد حدث ان توزعت الافهام، وزرعت رؤى هنا ورؤى هناك حول قضايا مفصلية وحسّاسة. من هذه القضايا، الامامة بمعناها القيادي سياسة وفكرا.

ولو تهيأ لعليّ ممارسة امامته السياسية لانفتحت على الواقع بوادر الخير منها، ولتم منع الدخلاء من الامتداد الى مواقع الدولة .

لكن يتسن للامام علي ان يتولى الخلافة، وأدّى انحسار امامته السياسية الى بروز نتوءات فاسدة في جسد الخلافة الاسلامية.

منها واهمها على سبيل المثال بروز معاوية بن أبي سفيان ومعه أمويون طلقاء على رأس هرم القرار فبدلوا وغيروا وقلبوا الخلافة الى ملكية، وتسبب ذلك في اضعاف بريق الاسلام على مستوى تجربته السياسية.

الامامة الواثقة

بعد رحيل النبي الاكرم محمد (ص) الى الرفيق الاعلى كان لزاما على الامة ان لا تدع فراغا قياديا يحكم الواقع ، فلقد بادر صحابة رسول الله الى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة للتداول في هذا الامر تفويتا لما كان المنافقون يسعون اليه من خلق للبلبلة في هذه الحاضرة، لاسيما وان الاسلام كان مايزال بعد فتيا، والحياة بعد في اولها .

وانفض الاجتماع باختيار الصحابي الجليل ابي بكر الصديق خليفة على المسلمين، فشكل هذا الاختيار صدمة عنيفة لثلاث فرق اولاها فرقة المتوقعين باْن علي بن ابي طالب هو المؤهّل لها دون سواه، وثانيتها فرقة بني هاشم الذين يرون من منطق العشيرة ان النبي منهم فلابد وان يكون خليفته منهم ايضا، وثالثتها فرقة المنافقين الذين راْوا في ابي بكر رجلا لايتوانى ولايلين امام اي ظاهرة نفاقية .

ونعود الى الامام الواثق علي بن ابي طالب لنقف على راْيه فلقد امتص صدمة المتوقعين ورد منطق العشيرة بقوله: والله لأسالمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور علي خاصة .

فلم يكن الاسلام يوما عشائريا متخندقا بخندق القبيلة واذا لم يبادر الامام علي لدرء فتنة هذا المنطق فسينفتح على الاسلام جيبان: ‹العشائرية› و‹المنافقون›. ومن هنا راْيناه يسارع الرياح العواصف ليثبت مقولاته الواثقة فيقول: “ايها الناس شقوا امواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، هذا ماء اجن، ولقمة يغص بها آكلها”، ووقف علي (ع) وقفة المسلم الغيور على رسالة الله الواثق بان دين الله سيكون واقعا يتحرك على الارض فشارك ‹الخلافة الراشدة› مشاريعها من اعلانها الحرب على الذين ارادوا خنق الاسلام في عملية ارتداد عنه واماتة مشروعه، وساهم في ترتيب البيت الاسلامي، وانطلق يدعم مشروع توسيع الدولة الاسلامية، حتى تصل الى الناس كافة، ويتحقق مراد النبي الكريم.

واقدّر ان اي مسلم يتخلف عن المشاركة في هذه المهام الجسام، يفقد، بلا شك، رصيده وحظه من الاسلام. يقول الامام علي: “فأمسكتُ يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد، فخشيت ان لم أنصر الاسلام واهله، ان ارى فيه ثلما او هدما”.

الامامة الراشدة

وبعد ان مضى الخليفة الثالث عثمان بن عفان الى سبيله اجتمعت الكلمة على علي بن ابي طالب ليكون خليفة وكان وقتها راغبا عنها زاهدا فيها ولكنّ الحاجة  في ان تجتمع له  الامامة السياسية مع الامامة الفكرية كانت ملحّة، فقبلها، وهو بها جدير.

بيد انه كان قد برز في اوضاع الدولة الاسلامية، وخصوصا في المدينة، وفي الشام ايضا، الترف والمحسوبيات مما اتعب الخليفة الجديد وزاد مصاعب التغيير والاصلاح.

وقدّر لعلي (ع) ان يتسنم مقاليد الامور وفي نفوس بعض عالية القوم منه شيء، فقرّر ان ينقل عاصمة الخلافة الى العراق. فكان العمل الاول الذي اثار حفيظة اولئك، هو تسويته العطاء من دون فرق بين ابناء المجتمع. ففتحت عليه هذه الفئة حربا ليس لله فيها رضا ونصيب الناس فيها القتل وللحكومة فيها الضعف: تلك هي حرب ‹الجمل› ثمّ اعقبوها بحرب ‹صفّين› وانتهت بحرب ‹الخوارج›.وكاْن قد قدّر لحركة الخلافة الراشدة ان تعطي امثلة طيبة لقدرة الاسلام ان يحكم وقدرة القادة بمواصلة المشوار وبتحمل المسؤولية رغم كل الصعاب .

ولقد اعطى الخلفاء الاربعة اروع صور العدل وإحكام إدارة الدولة ماجعل الاسلام الى يومنا هذا ان قدّم بهم النماذج التي يكمل بعضها بعضا من اجل الرسالة والانسان.

ولايظنّن احد ان عليا في سنوات امامته السياسية لم يقدّم شيئا في ما يتصل بالادارة او بالاقتصاد او بالامن، فقد ترك علي (ع) تركة مباركة من وصايا ونظريات وعهود .

فهذا نهج البلاغة يضم بين جوانحه علما وحكما ويكفي ان يكون عهده لمالك الاشتر ورقة عمل لايستغنى عنها على امتداد الايام.

ومع كل ما اعتور طريقه من حجارة واشواك فقد ظلّ هو الشاخص الوحيد للزهد وللفكر وللعدل والقادر على تجاوز كل المحن والالام سلام الله عليه.

وتنتهي به الخلافة، الخلاّقة الراشدة، التي كان لها الاطار المبهج والذي اختزن كلّ مكارمها وقيمها.

الامامة الناصحة

وموقع الامام في الامة هو موقع الناصح الامين لها، فكما هو ناصح لله باتباعه رسالته، وناصح لرسول الله  باتباعه سنته، فهو الناصح للامة بتقديمه لها برنامج عمل يرفع من مستوى كفاءتها في شتى مجالات الحياة المتعددة

ومن هنا نجد النصح عند الامام ظاهرة غير متكلفة بل هي معجونة في وعيه وفي وجدانه .

وللامة ان تأخذ على يد الامام غير الناصح وتتعامل معه بغير الوجه الذي استقبلته به يوم مبايعته في اطار ممارسة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما رأينا ماصنعت الامة بيزيد بن معاوية. في الوقت الذي رأْينا الامة تكبر موقف امام ناصح لم يتهيأ له ممارسة دور سياسي بعد هو الامام علي بن الحسين زين العابدين اذ وقف هذا الناصح الامين مع الامة يوم تعرضت لتهديدات الروم بيد ان جهاز الدولة الاسلامية قد اقام مجزرة كربلاء الذي راح فيها ابوه الحسين شهيدا امام ناظريه ولم يكن الامام ليتخلف عن واجب القيام  بالنصح والنصرة لمجرد ذلك الموقف البغيض.

ولمن يقرأ دعاء اهل الثغور للامام زين العابدين يشعر ان الامامة في افقها العالي واداءاتها المتفوقة هي الحصن المنيع الذي تتمترس به الامة.

فالامام الناصح سواء أكان في موقع السلطة ام لم يكن هو من يقف مع الامة في قضاياها كلها كما رأينا الامام زين العابدين.

ولقد اعطى الامام علي، من قبل، درسا بليغا في هذا الاتجاه. فلقد كان اماما ناصحا. اذ وقف مع الخلافة الراشدة يسدي لها النصح. فيقول في الخليفة الاول ابو بكر الصدّيق: “.. ولقد صحبته مناصحا واطعته فيما اطاع الله فيه جاهدا”. ورأينا عليا وقد منع ‹الصدّيق› من الذهاب الى ‹ذي القصة› لما كان يرى بعدم وجود تكافؤ قوى، فقال له “اقول لك ما قال رسول الله يوم احد، لمّ سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، وارجع الى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للاسلام نظام ابدا”.

واراد ابو بكر ان يغزو الروم فشاور جماعة من اصحاب رسول الله فقدّموا وأخّروا، فاستشار عليا فأشار ان يفعل، وقال “ان فعلت ظفرت” فقال “بشرت بخير” فقام ابو بكر في الناس خطيبا وامرهم ان يتجهزوا الى الروم.

ونجد عليا كذلك مع اخيه الراشد الفاروق، عمر بن الخطّاب، اذ اسشاره في الخروج الى غزو الروم فقال له “انك متى تسر الى هذا العدو بنفسك، فتلقهم بشخصك، فتنكب، (اي تخسر) لا تكن للمسلمين كانفة (اي ملجأ) دون اقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون اليه”.

وشاوره في الشخوص بنفسه الى قتال الفرس فقال له “ان الاعاجم ان ينظروا اليك غدا يقولوا هذا اصل العرب فاذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك اشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك”.

الامامة الواعية

لا شك ان الامامة هي المحطة التي تزود حركة الواقع بالوعي اذ من دون الوعي تجهل الامة مواقع اقدامها ويهمش دورها وتصبح معطلة لا شاْن لها بين امم الارض .

فالوعي هو من الخصائص التي تتميز بها الامة سواء اكان ذلك في عملها السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي او الثقافي او الفكري .

وبالوعي كانت أمتنا ﴿خير امة اخرجت للناس﴾ فالدرس الذي اعطاه رسول الاسلام محمد (ص) في عملية البناء اختصر عليهم الطريق واوضح لهم الرؤية فقد حصر موضع اهتمام الامة بقراءة المنهج وبالايمان به وبتطبيقه.

فالمنهج اولا ثم الايمان به، ثانيا، على انه من عند الله تعالى، ثم تطبيق هذا المنهج في حركة السلوك البشري وفي مجالات الحياة المتعددة .

ومن خلال ذلك تبرز في الافق الامامة الواعية المترجمة للنبوة العاملة بالمنهج المتناسية ذاتها امام ابهة النبوة. المترسمة خطاها حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، يقول علي بن ابي طالب: “فيا عجبا، ومالي لا اعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لايقتصرون اثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي، مفزعهم في المعضلات الى انفسهم، وتعويلهم في المهمات على ارائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه قد اخذ منها فيما يرى بعرى ثقات واسباب محكمات”.

فالنبي الذي يمثل قمة الوعي ثم الامام التي تجتمع كلمة الامة على اختياره هو الاخر الذي يعي  الرسالة والرسول معا لينطلق بهذا الوعي في قيادة الحياة حتى تصبح الامة في ارادتها وهمومها ورسالتها مجسدة في حركة الامام وفي وعيه.

ومن هنا فالامام امام في السلم وامام في الحرب ولقد راينا كيف ان الامام علي حارب الذين خرجوا على ارادة الامة يوم كفروه .

وما ان رجعوا الى الامة فتح الباب ليدخلوه آمنين، ويمارسوا حياتهم من دون عنت، حتى انه كان يكرر مقولته الشهيرة “اخواننا بغو علينا”.

هذه الامامة الواعية هي التي رسمت للاسلام صورته المثالية وهي التي جعلته حيا في الوجدان الانساني.

المنهج والامام والامّة

الامامة في حياة الامّة ضرورة تقتضيها طبيعة الأشياء، فليس هناك امّة من الامم من دون قيادة.

ولعلّ من أهمّ العوامل التي ساهمت في بناء الحياة الاسلامية الاولى أن بعث الله سبحانه محمّدا نبيا وبين يديه المنهج الذي يستوعب الكون والحياة والانسان.

وكان النبي جديرا بالقيادة بما انطوى من شمائل وخصال أهّلته بأن يدفع بالامّة الى التماسك مع منهج ربّها ومعرفة كيفية التصدر بين امم الأرض.

وتحرّك النبي (ص) اماما  مكلّفا بتطبيق منهج في امّة لا تعرف في حياتها منهجا.

والمنهج الذي فرضه الله سبحانه على النبي (ص) لم يأت جملة واحدة مما يثقل على الامّة تطبيقه، فقد نزل نجوما وكان للقائد دوره المتميز في تدريب الناس عليه.

فلقد كان منهجا قابلا للتطبيق في كل مفاصل الحياة بما يملك من قواعد عامّة يستفيد منها القائد في ايجاد صيغ عملية ملائمة لواقع الامّة .

وهو منهج ربّاني، فهو يرسم العلاقة بين العبد وربّه ويزرع في ذات العبد رقابة ذاتية، ويجعل لله تعالى حضورا ذائما في القلب، وهو ما تفتقده مناهج الأرض التي لا تدخل الله في بنيان اخلاقياتها.

ومن خلال المنهج تقيّم الامّة امامها فإن كان ذا كفاءة عالية في التفاعل مع قضاياها، أبقته على هرم القيادة، والاّ عزلته. وقد حدث ذلك مع الخليفة الراشد عثمان (رض). بيد انّ الامّة أبقت أبا بكر الصدّيق والفاروق عمر في قائمة المجد والفخار .

ولقد أثبتت أنّها الامّة الراشدة يوم اختارت عليا خليفة، يقول علي (ع) في وصف ذلك اليوم: ثمّ تداككتم عليّ تداكّ الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتّى انقطعت النعل وسقط الرداء ووطيء الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم ايّاي أن ابتهج بها الصغير وهدج نحوها العليل وحسرت اليها الكعاب[118].

ووقف علي يقود هذه الامّة برؤية فاحصة وأداء دقيق فأرشد الى كيفية اللجوء للمنهج الداعي للتمحور حول العمل المؤسساتي الممنهج لا الى التمحور حول شخصانية الامام أو القائد.

يقول الامام علي (ع): واعلموا أنكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك عند أهله[119].

وهذه الدعوة من القائد للعمل بالمنهج دون سواه ليحقّق مع امّته الانجازات التالية التي عددها عليّ (ع) بقوله: … لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك[120].

بين الامامة والنبوة: امامة ابراهيم الخليل

الامامة الابراهيمية التي استعرض القرأن الكريم افقها ﴿واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ تعد الوجه البارز للنبوة فيما تتحرك داخله من واقع الناس وتقوم به من مهام التصحيح لمسار الامة. فالنبوة هي امامة والامامة بهذا المعنى هي نبوة.

اما النبوة التي لا يتسنى لها ان تاخذ دورها في عملية الغيير السياسي والاجتماعي لظروف قاهرة تقف دون حركتها فهي ليست امامة بالمعنى الحركي للنبوة وهذا مايمكن استيحاؤه من خلال الآية المباركة، اذ ان ابراهيم كان نبيا كلفه الله سبحانه بالنبوة في اطار بناء الذات، وهي في بلاغها ربانية، فهي من الله، الا ان ابراهيم هو مستودعها المستجيب لهتافاتها والصالح لتاْديتها بكل كفاءة.

والامامة ترتبط بشخص ابراهيم فيما يجسده من تفعيل لهذه الهتافات في حركة الواقع وهو ما تشير اليه الاية ﴿واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن﴾ على انه الجاهز للدخول في امتحانات الحياة وبلاءاتها من خلال تطبيق مبادئ النبوة والقيام بشؤون المجتمع من وحي هذه المبادئ ونخلص بالقول ان النبوة والامامة على طريق تجسيد المهمة التغييرية .

ومن هذا المنطلق واجه النبي محمد (ص) ارشاد الله سبحانه في تنفيذ مبادئ الاسلام على طريقة ﴿فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل﴾، ايمانا باْن حركة النبوات هي المنفتحة على رسالات السماء بما هي مأمورة بتجسيدها فعليا في الارض ﴿كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باْذنه والله يي من يشاء الى صراط مستقيم﴾.

فهناك اذا منظومة آيات تفيد حركة الانبياء جميعا في اقامة حدود الله وتأسيس العدل والقسط من خلال سلطة تنفذ ذلك اما ان يكون النبي نفسه او جهات اخرى غيره .

وهوْلاء الانبياء أئمة فيما يهدون الامة اليه ليأخذوا بيدها لما يصلح شأنها ﴿وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا واوحينا اليهم فعل الخيرات﴾.

ومن هنا فكل من اتصف بصفة الامامة في كل ما تفيده من معنى تدبير شؤون الامة او اقامة الدولة او ما شابه فهو امام سواء اكان امام عدل ام امام جور، كبيرة كانت مهمته ام صغيرة .

وفي هذا المعنى تمنى ابراهيم (ع) ان تكون ذريته تجمع الى النبوة الامامة فكان الرد الالهي  ﴿لاينال عهدي الظالمين﴾ بمعنى ما انت عليه يا ابراهيم هو عهد من الله والله هو الذي يصطفي من عباده من يشاء .

وفي هذا الاطار شكلت اخبار ومرويات غير دقيقة عقلية مشوشة عند البعض ترى ان الامامة مرحلة متقدمة على النبوة فقد روي عن الامام الصادق انه قال ان الله اتخذ ابراهيم عبدا قبل ان يتخذه نبيا وان الله اتخذه نبيا قبل ان يتخذه رسولا وان الله اتخذه رسولا قبل ان يتخذه خليلا وان الله اتخذه خليلا قبل ان يتخذه اماما فلما جمع له الاشياء قال اني جاعلك للناس اماما قال عليه السلام فمن عظمها في عين ابراهيم قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين قال لا يكون السفيه امام التقي.

وفي تفسير العياشي واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن بمحمد وعلي والائمة من ولد علي .

اجل ان عليا واولاد علي هم ائمة في الفكر وفي الجهاد والحكمة والعدل شأنهم في ذلك شأن اي امام  وقد اوصى بهم النبي لأنهم تربو في احضان النبوة وشربوا من منهلها الرباني وانهم ليسوا حجة لانهم ليسوا ائمة اي ليسوا انبياء كما قال الامام علي ولقد تمت بمحمد حجته.

حدود الإمامة وقيودها

انتفاء العصمة ووجوب قول النصح

انّ للامام مهّاما عظيمة تنطلق من كونه مسؤولا مباشرا وقائدا ميدانيا للافكار  ولشؤون الامّة.

فالامّة تنظر الى امامها و”الناس على دين ملوكها”. اما النُّخب و‹أهل الحلّ والعقد› فهم في موقع المراقب للامام.

ولعلي(ع) وصية لهؤلاء يقول فيها: وأمّا حقّي عليكم، فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب[121].

وله أيضا: ولا تظنوا بي استثقالا في حقّ قيل لي، (اي لا تعتقدوا اني استثقل قول الحق منكم) ولا التماس اعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحقّ أن يقال له، أو العدل أن يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحقّ، أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي[122].

فالذين يستشارون بل ويشيرون  اولئك الذين رشّحتهم الامّة لهذه المهمّة.

فليس أمام هؤلاء مصطلح أنّ الامام ‹معصوم› كما هو واضح من كلام علي(ع) اذ لايأمن الخطأ .

ولقد أرسى رسول الله (ص) هذه الروحية اذ كان يشاور أصحابه ويختار من بين آرائهم أصلحها وأقربها الى مصلحة الامة تطبيقا لقواه تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾[123].

قفل الطريق على التفرد بالرأي

واذا تكاملت العلاقة فيما بين الامام وبين ‹أهل الحلّ والعقد› فإنّ العلاقة يجب أن تتكامل فيما بينه وبين الامّة أو القاعدة الشعبية لأنّ القائد اذا احتجب عن القاعدة وعاش في حدود النخبة قوّى هوى نفسه على ارادته، وقد تتحكم به وتأمره بالسوء والأنانية وخيانة الامة والدكتاتورية في الحكم, فحصر النفس في دائرة مغلقة يولد لديها قناعات قد تؤدي الى انفرادية الحاكم وتضييق دائرة خبراته بالمجتمع والحالات التي يمرّ بها.

هذا بالنسبة الى الامام أما بالنسبة الى أفراد القاعدة فإنهم يفسّرون احتجاب القائد عنهم بأنه يعدّهم دونه،اقل شأنا منه، وكأن الإمامة فضلا لا مسؤولية، فتتغير في نفوسهم المقاييس ليتحول القبيح حسنا والحسن قبيحا ويختلط الحقّ بالباطل.

وفي هذا المعنى يشير علي (ع) اذ يقول: فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيتك فإنّ احتجاب الولاة عن الرعية شُعبة من الضيق وقلّة علم بالامور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحقّ بالباطل. وانّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناسبه من الامور وليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب[124].

تقييد سطوة السلطة على حرية الفرد

ومن هنا فالامام اذا كان يلتقي الامّة دوما ويعيش همومها وتطلعاتها بنفسه كان الأقدر على وضع المرهم الشافي لأمراضها ولحالات ضعفها.

واذا أشرف الامام على علاج الحالات السلبية وقام بعملية التداوي مباشرة من دون واسطة كان أدعى لمجلس قيادته أن يضع خطاه على خطاه، فيأمن الناس من الخيانة، وتتقوى شخصية القاعدة وتتلاحم مع القائد في كلّ الميادين.

يقول الامام علي (ع): واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتّى يكلّمك متكلمهم غير متتعتع فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في غير موطن: لن تقدّس امّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير المتتعتع، ثمّ احتمل الخرق منهم والعيّ ونحّ عنهم الضيق والأنف ينسّط الله عليك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته[125].

ومن مهام الامام البادرة الى حلّ المشكلات التي تعصف بالمجتمع، ولقد لاحظنا في عصر الراشدين كيف أن عليا كان المبادر لإيجاد الحلول للمشاكل التي كانت تفرض نفسها على القائد وعلى القاعدة. ومن أمثلة المشاكل هذه تلك التي عصفت بالخليفة الثالث عثمان بن عفّان يوم خرج عليه جمع من المسلمين في المدينة المنورة وحاصروه في بيته طالبين منه التخلّي عن الحاشية التي أحاطته ورمته في هوّة سحيقة وأبعدته عن الامّة.

وسألوا عليا(ع) مخاطبة الخليفة لهم، فدخل عليه عليّ فقال له: انّ الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم. والله ما أدري ما أقول لك. ما أعرف شيئا تجهلهن ولا أدلك على أمر لا تعرفه، وانّ الطرق لواضحة، وانّ أعلام الدين لقائمة، فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام هدي، هدى فأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة مجهولة، وإنّ السنن لنيرة، لها أعلام، وانّ البدع لظاهرة، لها أعلام، وانّ شرّ الناس عند الله امام جائر ضلّ وضلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة، وانّي سمعت رسول الله (ص) يقول: يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرحى ثمّ يرتبط في قعرها وانّي أنشدك الله الاّ تكون امام هذه الامّة المقتول، فإنه يقال يقتل في هذه الامّة امام يفتح القتل عليها والقتال الى يوم القيامة ويلبس امورها عليها ويبثّ الفتن فيها فلا يبصرون الحقّ من الباطل يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا، فلا تكوننّ لمروان سيّقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ وتقضّي العمر[126].

ولم يكتف الامام علي (ع) بهذه النصيحة للخليفة فقد حال دون الناس ودون دخولهم الى الخليفة ليقتلوه فجعل الحسن والحسين يحرسانه وعنّفهما ساعة تسور جماعة على الخليفة الحائط فقتلوه.

وأحدث مقتل الخليفة فراغا في ادارة البلاد فاتجه المسلمون الى عليّ لأختياره خليفة فقال لهم : دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول واعلموا أنّي ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم[127].

فلقد باشر الامام علي (ع) في تسوية الخلل الذي حصل وهو عدم التسوية في العطاء فساوى فيه فأصدر أمرا الى عمّاله في الأمصار:ألا وانّ حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء يردّون عندي عليه ويصدرون عنه[128].

فقام بردّ الأموال الى أصحابها اذ كان قد استحوذ عليها جهاز الدولة أيام الخليفة الثالث فقال: والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الاماء لرددته فإنّ في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق[129].

بلاغ النبي بالولاية لعلي

ما من شكّ أنّ رسول الله (ص) قد اهتم بعلي (ع) اهتماما بالغا منذ أن كان صغيرا، فقد بعث النبيّ (ص) في سنّ الأربعين وكان لعليّ عشر سنين .

ويتحدّث علي (ع) عن مستوى تلقيه عن النبي (ص) من عمره هذا الى رحيل المصطفى الى الرفيق الأعلى فيقول: ليس كلّ أصحاب رسول الله (ص) من كان يسأله ويستفهمه وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء الاّ سألته عنه وحفظته[130].

هذه الحياة العلويّة في ارتساماتها النبوية في حركاتها التي يقول عنها النبي الأكرم “عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ” لا يمكن أن تتوقف الامة أو فصيل من فصائلها على فهمه بطريقة تتشظّى من وراءه. فعلي (ع) في منظار الرسالة هو أكبر من أن يكون حاكما دنيويا او سياسيا بالمعنى الحكومي المعهود.

ولو قدّر له أن يصبح حاكما لقدّم الاسلام به صورة أكثر وعيا وصلابة وعدلا كما قدّم به ناصحا ومستشارا واماما فكريا أيام الخلافة الراشدة.

لا تشكل الحاكمية أو الخلافة عند عليّ قضية فهي وسيلة وليست غاية بعكس ما يعيشه البعض من محبيه اذ خلقت في عقولهم أزمة الى يومنا هذا.

فلقد ضمّت كتب الأخبار تفسيرات لأيات قرآنية وتأويلات متأزمة لاتنسجم مع ما في الاسلام من رحابة. مثال على هذه التفسيرات ما ورد عن ابن عبّاس للآية المباركة ﴿ياأيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلّت رسالته والله يعصمك من الناس انّ الله لا يهدي القوم الظالمين﴾[131].

فقد قال ان عباس أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب حيث أمر الله سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوّف رسول الله أن يقولوا حابى ابن عمّه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله تعالى اليه فقام بولايته يوم غدير خمّ وأخذ بيده فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه[132].

وبالتدقيقوتحليل الرواية، اقدّر أنّ هذا التفسير غير صادر عن ابن عبّاس وهو حبر الامّة بل الذين فسّروا القرآن بهذه الطريقة هم الغلاة من أمثال ‹أبي الجارود› و‹سهل بن زياد› و‹علي بن الحكم› وأضرابهم من الملفقّين، وغير الأمينين على التعامل مع النص القرآني.

وقد احتشدت مثل هذه التفسيرات في كتب الشيعة المفسّرة للقرآن الكريم بالأخبار تحديدا.

ولا أتردد في  القول أنّ هذه التفسيرات شعوبية المنشأ وقد راح ضحية الغثاء الذي فيها امّة من الناس .

كيف يتصور من درس تأريخ الثلّة الماجدة المتفانية دون رسالتها أنّها تخذل  نبيّها لمجرّد اشارته لعلي بأنه خليفة من بعده!!

هل يمكن التصديق أنّ هذا الجهد المتواصل لرسول الله (ص) يذهب أدراج الرياح لمجرد عدم تبليغ الامّة بخلافة علي؟

أجل أنّ الآية (آية التبليغ) نزلت في أجواء تحصين المسلمين من خلال بلاغ النبي (ص) وصموده في وجه ما يكيد له يهود ونصارى المدينة وما تعدّه دولة الرّوم من خطط للأجهاز على الاسلام.

قال تعالى: ﴿ولو أنّهم أقاموا التوراة والأنجيل وما انزل اليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم امّة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون يا أيها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك وان لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدي القوم الظالمين قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التوراة والأنجيل وما انزل اليكم من ربكم وليزيدنّ كثيرا منهم ما انزل اليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين﴾.

فالآيات في سياق واحد وتناسب يؤدي الى معنى واضح بما فيها من رابطة وقرينة تدّل بوضوح على أنّها تتحدث عن حالة تخصّ مرضى القلوب من اليهود والبصارى الذين يريدون كيدا بالاسلام وأهله.

الاقتتال من اجل الامامة

شاء الداعية الى وحدة الامة ووحدة المنهج أو لم يشأ فقد ضربت التقافة الطائفية أطنابها في العمق حتّى غدت نظريات مسلّم بها عند قطّاع لا يستهان به في الامة.

وكأن المسألة أصبحت تنظيما له حيثياته في مقابل الاسلام الذي هو الاسم الجامع للامة.

فمن لم يكن شيعيا بالمعنى الذي يطرحه الأعمّ الأغلب من الشيعة بما فيهم بعض أقطاب العلم في المذهب الشيعي فليس بمؤمن بل يحكم بإسلامه ظاهرا!!

وانا لا ألوم العامة من الشيعة فهم فتحوا أعينهم على هذه الثقافة التي يقوم بترويجها المتأكلون بدينهم، المتاجرون بعقائد الناس. انّما يقع اللّوم على أهل العلم والحريصين على الاسلام .

من المؤسف جدّا أن ينحر الاسلام  بالتشيع الرائج اليوم كما نحره الامويون من قبل ومن بعدهم أسلافهم ذوي الرؤى السوداوية.

من المسؤول عن التراث الشيعي المليء بما يفرق؟

وقفة قصيرة مع مرويات شكّلت عمودا فقريا لثقافة التمحور في الامامة يدلّنا على أنّ هذه المرويات هي المعتمدة في كل الميادين وهي الحاكمة للعقلية المذهبية بدل الدعوة الى الدين الاسلامي الخالص كما انزله النبي الكريم محمد (ص).

نموذج عن تلك المرويات:

ففي ‹الكافي› للكليني، عن عمر بن حنظلة قال “سألت أبا عبد الله الصادق عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القضاة، أيحل ذلك؟”

قال الامام الصادق (طبقا للرواية) “من تحاكم اليهم (اي اهل السنة والجماعة) في حقّ أو باطل فإنما تحاكم الى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا وان كان حقّا ثابتا”.

قلت “فكيف يصنعان؟”. قال “ينظران الى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخفّ بحكم الله وعلينا الردّ.”

قلت (والكلام ما زال لسائل الامام بحسب الرواية)  “فإن كان كل رجل اختار رجلا من من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلف في حديثكم؟”

قال الصادق “الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث”.

قلت “فإنمهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟”

قال الصادق “ينظر الى من كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكمنا به، المجمع عليه من أصحابنا، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك”.

قلت “فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟”

قال “ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة (اي أهل السنة والجماعة) فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة”.

قلت “جعلت فداك، أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟”

قال “ماخالف العامة (اهل السنة والجماعة) ففيه الرشاد”.

قلت “جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟”

قال “ينظر الى ماهم اليه أميل فيُترك ويأخذ بالاخر”.

قلت “فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟”

قال “اذا كان ذلك، فأرجئه حتى تلقى امامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات”.

بعد الامعان في هذه المروية التي يوجد مثلها الكثير في كتب المذهب، أقول، أن مثل هذه الروايات الداعية للخلاف، الخالية من الانصاف، البعيدة عن منهج الله، المخالفة لأصول الاسلام، إن صحّت، فأنا أكفر بكل القيم التي بُنيت عليها، وان لم تكن صحيحة، وهي كذلك فيما أعتقد، فلماذا  تبنى عليها تصورات ومواقف.

أليس “الرشد في خلافهم” مقولة لها صدى؟! هل يكون الرشد في خلاف من يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وأن القرآن كتابه والكعبة قبلته والقيامة موعده!!

خصائص الامام

لابدّ أن يتوافر للامام خصائص ومميزات حتّى تتّم له طاعة الامّة منها:

1- أن يكون حيّا يقود الحياة ويوجّه الأحداث، فالامام الذي مات لم يمت معه مشروعه بشرط أن يكون المشروع له فاعلية وحضور في حركة الامّة وتطلعاتها.

ويستثنى البعد العقائدي والقيم الدينية التي أرسى قواعدها الأنبياء فإنّها لا تموت بموتهم.

أمّا فيما يتصل بتأريخ الامام الشخصي وما قدّمه للامّة خلال امامته من عطاءات فتبقى موضع اعتزاز وتقدير وهي من تراث الامّة الخالد.

امّا فيما يتصل بالامامة الغائبة التي يعتقد بها الشيعة فليس لها في أعناقنا بيعة مالم يكن الامام حاضرا، أمّا الاعتقاد به ففي القلب لأنّه جزء من الغيب الذي أخبرنا به الرسول الأكرم (ص).

2- على الامام أن يملك خطّة عمل متكاملة وشاملة لكلّ مرافق الحياة، سياسية كانت أم اجتماعية، ثقافية أم اقتصادية، أم غير ذلك ممّا تحتاج الامّة من خلال خبراء ممارسين ومتخصصّين.

ويأتي هنا قول نبيّنا الأكرم (ص) “أنتم أعرف بامور دنياكم” ليطلق العقول كي تبتكر الأساليب الحديثة والآليات المعاصرة اذ المعاملات في الاسلام تتحرّك من وحي ما يحتاجه الواقع غير ما عليه العبادات. فالعبادات ثابتة.

3- تسنّم الامام لمهام الامامة السياسية تحديدا من خلال افراز طبيعي لتجربة الامّة القاسية وحراكها المستمر وتعاطيها الدائم مع من تجده كفئا لقيادتها وتحقيق مصالحها.

ولقد تمّ ذلك لعليّ (ع) يوم التمسته الامّة في أن يكون الخليفة بعد أن مرّت الخلافة في عهد عثمان (رض) بمآزق خطيرة.

وليست ثمّة ما يمنع من أن يكون الامام اماما في الفكر واماما في السياسة.

محاكمة التراث الحامل للسنة

لا يمثّل التراث الذي بين أيدينا بما فيه من غثّ وسمين شيئا مالم يعرض على المنهج.

وأعني بالتراث هو كل ماحصلنا عليه مكتوبا او مسموعا من أحكام فقهية وقضايا عقيدية وقصص وحكايات وأشعار تتصل كلّها بالدين.

وأعني بالمنهج هو ما تلقيناه بالتواتر المعنوي من جيل الى جيل منقولا عن رسول الله ﴿وانه لتنزيل ربّ العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين﴾.

فالفرق بين التراث والمنهج هو أنّ التراث وان كان قولا او فعلا للنبي الاكرم فإنه يحتمل صدوره منه او عدم صدوره،  ولا يمثل الاّ وثيقة لاتشكل مكوّنا دينيا مالم تطابق المنهج.

ولذا نعتبر ما صدر عن النبي (ص) رواية عنه واذا كان كذلك لابد من عرضه على المنهج.

واما المنهج فهو قطعي الصدور سالم من التحريف خال من التناقضات مجمع عليه من قبل الامة الاسلامية كمصدر اول للشريعة والعقيدة.

وقد أرسى صاحب الرسالة محمد (ص) قاعدة عرض التراث على المنهج فقال، “ألا ان رحى الاسلام دائرة” فقيل “كيف نصنع يارسول الله؟” قال “اعرضوا حديثي على كتاب الله فما وافقه فهو مني وأنا قلته”.

وقال (ص): ستكون عني رواة يرون الحديث فاعرضوه على القرآن فان وافق القرآن فخذوها والا فدعوها.

وورد عن الامام الصادق أنه قال “ماخالف كتاب الله فهو زخرف” وفي قول آخر،” ماوافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاضربوا به عرض الجدار”.

ولو أننا أخذنا ما يحلو لنا من التراث وما يوافق مزاجنا وتوجهاتنا من دون تحكيم القرآن الكريم في ذلك على قاعدة أن القرآن الكريم لا يفهمه الاّ أهل البيت، لأصبح مكان الكتاب الكريم الرفوف، ولم تعد حصته منّا الاّ استخدامه للاستخارة وقراءة سوره من أجل البركة والثواب.

والمتعصب ان كان من الشيعة او من غيرهم من المذاهب الاسلامية الاخرى يتمسكون بكل التراث على انه وارد قطعا من الرسول الكريم او من الأئمة المعصومين دون محاكمته او اثارة الشك اول المرويات ولااحاديث، حتى لو كان أغلبه مخالفا لقرآن أو سنّة اخرى أو عقل.

لذلك يعمد هؤلاء الى اعمال التأويل للتوفيق بين ما يظهر تناضه ونترك نسبته الى المعصومين متناسين أن هذا الركام الهائل الذي يحمل السمّ الناقع يقرأه من يعي ومن لا يعي فيشّكل موقفا ويكوّن تصورا يصبح عسيرا على التفكيك على الاخص مع غياب اي محاكمة جدية لتلك النصوص.

انّ أئمة أهل البيت (ع) أشاروا الى عملية التلاعب بالتراث وصرّحوا بأنّ أحاديثهم طالها التحريف.

يقول الامام الصادق: لا تقبلوا علينا حديثا الاّ ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ ‹المغيرة بن سعيد› لعنه الله دسّ في كتب أصحابنا أحاديث لم يحدّث بها أبي فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنّة نبينا (ص).

وقال يونس بن عبد الرحمان: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر الباقر(ع) ووجدت أصحاب أبي عبد الله الصادق فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها على أبي الحسن الرضا فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله، وقال لي ان أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله لعن الله أبا الخطّاب وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث الى يومنا هذا في كتب أبي عبد الله فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن.

الكتاب الثالث

الإصول الإرشادية

الاصل الاول

ديننا الاسلامي يقوم على الوحدانية الخالصة التي يترجمها قوله تعالى: ” قل هو الله احد  الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد”.

ويقوم على اركان هي: ﴿آمن الرسول بما اُنزل اليه من ربّه والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله﴾[133].

والإيمان بما إستأثر الله بعلمه ﴿إنّ الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم مافي الأرحام﴾[134]

الأصل الثاني

الايمان بالقران الكريم أنّه من عند الله سبحانه وأنّه لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو منهج متكامل ودستور متوازن،  تستوعب قواعده العامة حاجات الانسان في مختلف أدواره وأطواره.

الأصل الثالث

التصديق بمحمّد بن عبد الله (ص) أنّه مرسل من عند الله سبحانه، بلغ رسالة الله كما يريد الله، ومعجزته الخالدة هو القرآن الذي اُنزل عليه، وأنّه ﴿لاينطق عن الهوى إن هو الاّ وحي يوحى﴾،  وكلامه وفعله وتقريره هي سنّة وهي عَدْلُ كتاب الله قيمة وإعتبارا.

الاصل الرابع

القران الكريم والسنة النبوية الشريفة هما اساسا التشريع الاسلامي لايرد منهما حرف واحد. ويبطل الاجتهاد في فهمهما بوجود رسول الله (ص)،   أمّا بعده (ص) فيتحرّى المسلم الضوابط العلمية في إيجاد حلّ لما يواجه من مشكل من خلال فهم النصوص بما ينسجم مع روح الشريعة ومقاصدها.

الاصل الخامس

نؤمن بالغيب كما أمرنا الله سبحانه من دون ان نتكلّف البحث عن التفاصيل .

ونؤمن بالانبياء عليهم السلام الذين سبقوا محمدا (ص).

ونؤمن بما أنزل الله عليهم من كتب وصحائف وألواح وهي هدى وبصائر.

والمسلم محكوم بالتشريع الاسلامي دون سواه ويتمّ التعامل بالقواسم المشتركة بين بين الديانات.

الاصل السادس

الاسلام دين إرتضاه الله سبحانه للناس وأنّه ترجم فكر الديانات، وحمل روحها  كما ارتضاها من قبل في اطار ما يحتاجه الواقع  يومئذ. والانسان مخيّر في إختيار أيّ دين منها  اختيارا يقوم على المتابعة والفحص وله أجر إمعان العقل في ذلك.

الأصل السابع

لا عقوبة في الدّنيا على من إرتدّ عن الاسلام ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ و﴿لا إكراه في الدين﴾ هي لافتة يرفعها الاسلام في إطار حرية الاعتقاد، ولكن إذا شكَل المرتدّ عن الإسلام ظاهرة فتنة في المجتمع،

يعاقب لفتنته لا لإرتداده.

الأصل الثامن

لايجوز إستعباد الانسان،  ولا استغلال طاقاته، وتهميش لياقاته،  وتحقير شخصيته،  واستخفاف عقله،  وإهمال إبداعاته،  فالله سبحانه خلق الانسان حرّا مكرّما محترما وهو خليفته في أرضه.

الأصل التاسع

تعامل الإنسان مع الإنسان يقوم على أساس الاُخوة الإنسانية من دون النظر إلى الدين أو العرق أو الّلون.

الاصل العاشر

الحبّ هو الأساس التي تقوم عليه الحياة ،  وبالحبّ وحده تعمر الدّنيا ويسعد الإنسان فمن أحبّ الله سبحانه أحبّ خلقه إنسانا كان أم غيره.

الأصل الحادي عشر

الوطن هو السقف الذي يستظلّ تحته كلّ من إنتمى إليه من دون فوارق فالمواطنون كلّهم فيه سواء ، والولاء له عقيدة ، وحبّه مثل عليا.

الأصل الثاني عشر

ينتظم أمر المجتمع بقانون سواء كان قانونا إلهيا أو قانونا وضعيا ويشرف على تطبيق القانون منفذون ذوو إختصاص و حزم  و على المواطنين مراعاة تطبيق تلك القوانين  مادامت تحقق لهم الاستقرار و الحياة الحرة الكريمة.

الأصل الثالث عشر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسمى الفرائض الإسلامية وأسناها ، و يُراعى في ممارسة هذه الفريضة أحوال الناس و طبيعة ظروفهم السياسية و النفسية و الأمنية و تكتسب صيغ ممارستها من نوعية النظام السياسي وشكل  القانون المراعى والتقاليد و الأعراف.

الأصل الرابع عشر

لا يصحّ الخروج على إي حاكم عادل تطامن الناس في ظلّ حكمه.

و يحقّ لمن يريد الإنتصار إلى نوعية النظام الذي يريد، أن يخلق توازنات في إطار معارضة سلمية.

الأصل الخامس عشر

الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق لأحد على أحد وهم متساوون بالحقوق والواجبات ، ولا خصوصية لأحد مطلقا في إطار مايسمى

( ببني هاشم) التي تماثل فكرة شعب الله المختار التي يتبناها اليهود ، فكلّ الناس من آدم وآدم من تراب.

ورد ارشاد

﴿الله خالق كلّ شيء وهو على كلّ شيء وكيل﴾

﴿له مقاليد السّماوات والأرض﴾

﴿والذين كفروا بآيات الله اولئك هم الخاسرون﴾

﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾

﴿ولقد اوحي اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين﴾

﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾

﴿وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسّماوات مطويّات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون﴾[135]

﴿هو الله الذي لا اله الاّ هوعالم الغيب والشهادة هو الرّحمان الرّحيم﴾

﴿هو الله الذي لا اله الاّ هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان الله عمّا يشركون﴾

﴿هو الله الخالق الباريء المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾.

معاني المفردات:

وكيل: المهيمن على كلّ شيء

مقاليد: مفاتيح

أعبد: أطيع

الجاهلون: بحقيقة التوحيد وعبادة الواحد الأحد

اوحي اليك: بواسطة جبرائيل هذا القرآن

يحبطنّ: أي يسقط فلا قيمة له

ما قدروا الله: لم يتصوروه في ذاته وفي عظيم مخلوقاته

قبضته: يده وهي كناية عن السيطرة والهيمنة

مطويات بيمينه: يحرّكها بقدرته وقوّته

لا اله الاّ هو: ليس له شريك فهو الاله في السماء والاله في الأرض

عالم الغيب والشهادة: الغيب هو العالم الخفي والشهادة هو العالم الظاهر فهو يعلمهما على حقيقتهما سبحانه.

الرحمان الرحيم: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة وهو الذي يفيض من رحمته على الخلق جميعا، والرحمان أخصّ من الرحيم ولذلك لا يسمّى به غير الله تعالى

الملك: المستغني في ذاته وفي صفاته عن مخلوقاته

القدّوس: المنزّه عن كلّ وصف تدركه الحواس

السلام: الذي تسلم ذاته من العيوب والنواقص وأفعاله من الأذى

المؤمن: الذي يرجع اليه الأمن والأمان

المهيمن: القائم والمسيطر على خلقه

العزيز: هو الفريد من نوعه الذي يقلّ وجود أمثاله

الجبّار: النافذ في الأشياء على سبيل الجبر والقوّة

المتكبّر: الذي يرى كلّ مخلوقاته دونه

الخالق: الذي أوجد الأشياء كلّها

الباريء: الذي برأ كلّ الأشياء فأخرجها من العدم

المصوّر: الذي صوّر الأشياء فجعلها في ملامح مبدعة ومتنوعة

في أيام النبي (ص) الأخيرة، وكان مريضا، اجتمع حوله صحابته وأهله… يروى أنّ النبي (ص) أمر بإحضار دواة وكتف ليكتب كتابا لن يضلّوا من بعده أبدا، وأنّه قال بعد أن سمع لغطا من صحابته: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع. وخرج ابن عبّاس يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه .

فهل هذا الكتاب الذي يريد أن يكتبه النبي (ص) هو نصّ قرآني؟ وإن كان كذلك، فما معنى قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا﴾.

الم ينقطع عنه الوحي بعد نزول هذه الآية، ممّا  أشعره بدنو أجله؟

ولو كان قرآنا، فإن من عادته (ص) ان يقرأه على صحابته فيحفظونه، واذا كان هذا النصّ قرآنا وأراد كتابته وأنّ آية الاكمال ليست الأخيرة فلماذا انزعج لكثرة لغط صحابته وترك القرآن ناقصا؟ فهل يعتقد المسلمون بأنّ القرآن ناقص؟

ثمّ أيّ نصّ هذا الذي لن يضلّ المسلمون بعده، أهو آية واحدة أو أكثر؟ ولماذا لم يبلغه المسلمين في حال الصحّة وبغير هذا الوقت؟ وهل يصحّ لنبي الرحمة أن يترك امته على ضلال الى يوم الدين؟


[1]سورة آل عمران:19

[2] آل عمران: 20

[3] نفسها: 67

[4] سورة سبأ: 28

[5] سورة الحجر: 9

[6] سورة المائدة: 3

[7] سورة طه: 114

[8] سورة الزمر: 9

[9] انظر كتابنا حياة محمّد في أحاديث الشيعة

[10]انظر نهج البلاغة

سورة الشعراء: 196  [11]

سورة الأعراف: 157[12]

الاعراف: 158[13]

سورة النساء: 13[14]

سورة القلم : 2[15]

سورة النجم : 2   [16]

الشورى:23[17]

‹قادة الغرب يقولون›، تأليف جلال العالم:68[18]

السابق: 40[19]

‹الفكر الاسلامي والعولمة›:161-169[20]

‹صحيح البخاري›: فضائل القرآن[21]

‹بحار الانوار›: ج92، 17[22]

‹أمالي الصدوق›: 207[23]

‹الاصول› من ‹الكافي› لـ الكليني: ج2، 606[24]

سورة الفرقان: 77[25]

سورة ابراهيم: 40[26]

سورة الأنعام: 63[27]

‹في ظلال القرآن›، سيد قطب: 3509[28]

سورة الحديد: 41[29]

سورة آل عمران: 110[30]

سورة آل عمران: 164[31]

سورة آل عمران: 159[32]

سورة البقرة: 256[33]

سورة آل عمران: 64[34]

سورة آل عمران: 199[35]

سورة البقرة: 19[36]

سورة المائدة: 69[37]

سورة الانسان: 3[38]

سورة الكهف: 29[39]

سورة البقرة: 256[40]

سورة الحج: 78[41]

سوؤة يونس: 19[42]

سورة الكهف: 6[43]

سورة آل عمران: 20[44]

البقرة: 111[45]

سورة آل عمران: 72[46]

سورة سبأ : 24[47]

سورة الغاشية: 23[48]

سورة آل عمران: 159[49]

سورة الفرقان: 1[50]

سورة هود: 75[51]

سورة العنكبوت: 43[52]

سورة المائدة: 54[53]

سورة الرعد: 28[54]

من حفظ الخاطر[55]

سورة الاحزاب: 21[56]

‹مكاشفة القلوب›، ابو حامد الغزالي: 2412[57]

‹إحياء علوم الدين›، ابو حامد الغزالي: 2375[58]

نفسه[59]

‹سنن النبي›، محمد حسين الطباطبائي: 73[60]

‹الجعفريات›: 156 [61]

‹سنن النبي›، سابق: 151[62]

‹الكافي›، سابق: 6512[63]

‹مكارم الاخلاق›، الطبرسي: 42[64]

‹الكافي›، سابق: 5116[65]

‹مكارم الاخلاق›، سابق: 39[66]

نفسه[67]

سورة آل عمران: 32[68]

سورة الشورى: 15[69]

سورة آل عمران: 159[70]

سورة الحجرات: 13[71]

من حفظ الخاطر[72]

سورة التوبة: 105[73]

‹كنز العمّال›: خ# 11354  [74]

اخرجه البخاري ومسلم[75]

سورة الصف: 2[76]

‹نهج البلاغة›: خ# 160[77]

سورة السبأ: 24[78]

‹الإرشاد›، الشيخ المفيد: 63[79]

سورة البقرة: 21[80]

سورة الحج: 49[81]

سورة يونس: 72[82]

سورة البقرة: 132[83]

سورة يونس: 101[84]

نفس السورة: 84[85]

سورة آل عمران: 52[86]

سورة القصص: 77[87]

سورة الاعراف: 31[88]

سورة البقرة: 201[89]

نفس السورة: 142[90]

سورة الممتحنة: 8[91]

‹رجال الكشي›: 193[92]

‹الجعفريات›، سابق: 181[93]

‹قرب الاسناد›: 61[94]

‹رجال الكشي›، سابق: 147[95]

سورة النساء: 171[96]

‹سيرة الائمة الاثنا عشر›، هاشم معروف الحسني: 141[97]

‹فقه الشيعة›، الامام الخوئي: 126[98]

‹مباني تكملة منهاج الصالحين›، محمد تقي القمي: ج3، 250[99]

‹صحيح البخاري›: ج1\119 ط. بيروت [100]

سورة المائدة: 3[101]

سورة العنكبوت: 51[102]

الافكار موجودة في ‹الاصول› من ‹الكافي› لـ الكليني: باب ‹كتاب الحجة› تحديدا [103]

سورة النساء: 165[104]

‹نهج البلاغة›: خ# 90[105]

سورة يس: 41[106]

سورة الحج: 65[107]

سورة الرعد: 7[108]

‹نهج البلاغة›: 149[109]

سورة الانعام: 50[110]

سورة البقرة: 30[111]

سورة النور: 55[112]

سورة الاعراف: 157[113]

سورة الاعراف: 157[114]

سورة لقمان: 10[115]

سورة الاسراء: 17[116]

سورة الشعراء: 112، 113[117]

‹نهج البلاغة›، ك 229[118]

سابق، ح 147[119]

‹نهج البلاغة›: ك 205[120]

‹نهج البلاغة›: خ34[121]

‹نهج البلاغة›: خ 214[122]

سورة الشورى: 38[123]

‹نهج البلاغة›: 53[124]

‹نهج البلاغة›: 53[125]

‹نهج البلاغة›: ك92[126]

‹نهج البلاغة›: خ105[127]

نفسه: خ23[128]

‹نهج البلاغة›: ك15[129]

‹نهج البلاغة›: 138[130]

سورة المائدة: 67[131]

انظر ‹روح المعاني›، الالوسي: ج4، 282، طبعة بيروت[132]

سورة البقرة: 285[133]

سورة لقمان: 34[134]

سورة الزمر: 62-62-67[135]

2 comments on “الإسلام كما أفهمه

  1. تنبيه: الإسلام كما أفهمه | إرشاد

  2. تنبيه: التشيع كما أفهمه | إرشاد

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s